الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب

فصل

فلنرجع إلى تمام المقصود فنقول : اختلف الناس في العقوبة على الأمور العدمية فمنكرو الحكم والتعليل لا ضابط للعقوبة عندهم إلا محض المشيئة ، وأما مثبتو الحكم والتعليل فالأكثرون منهم يقولون لا يعاقب على عدم المأمور لأنه عدم محض ، وإنما يعاقب على تركه ، والترك أمر وجودي ، وطائفة منهم أبو هاشم وغيره يقولون : يعاقب [ ص: 245 ] على الأمور الوجودية ، فيكون عقابه بالآلام ، وهذا القول الذي ذكرناه قول وسط بين القولين ، وهو أن العقوبة نوعان ، فيعاقب على هذا العدم بفعل السيئات لا بالعقوبة المؤلمة ، ثم يعاقب على فعل السيئات بالآلام ، ولا يعاقب عليها حتى تقوم الحجة عليه بالرسالة ، فإذا عصى الرسول استحق العقوبة التامة ، وهو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره بعد قيام الحجة عليه ، أو التوبة بعد قيام الحجة عليه فإذا لم تقم عليه الحجة كان الصبي الذي يشتغل بما لا ينفعه ، بل بما هو من أسباب ضرره ، ولا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ ، فإذا بلغ عوقب ، ثم يكون ما اعتاده من فعل القبائح قبل البلوغ وإن لم يعاقب عليها سبب لمعصيته بعد البلوغ ، فتكون تلك المعاصي الحادثة منه قبل البلوغ ، فلم يعاقب العقوبة المؤلمة إلا على معصية ، وأما العقوبة الأولى فلا يلزم أن تكون على ذنب بل هي جارية مجرى تولد الآلام عما يأكله ويشربه ويمتنع به ، فتولدت تلك الذنوب بعد البلوغ عن تلك الأسباب المتقدمة قبله ، وهذا القول الوسط في العقوبة على العدم ، وهو الذي دل عليه القرآن ، قال الله تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) ، فأخبر سبحانه عن عقوبتهم على عدم الإيمان بتقليب أفئدتهم وأبصارهم .

فإن قلت : هذه عقوبة على أمر وجودي ، وهو تركهم الإيمان بعد إرسال الرسول ودعائه لهم ، قلت : الموجب لهذه العقوبة الخاصة هو عدم الإيمان ، ولكن إرسال الرسول وترك طاعته شرط في وقوع العذاب ، فالمقتضى قائم وهو عدم الإيمان ، لكنه مشروط وقوعه بشرط وهو إرسال الرسول ، ففرق بين انتفاء الشيء لانتفاء موجبه ومقتضيه ، وانتفائه لانتفاء شرطه بعد قيام المقتضى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث