الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العبد بين رجلين يلحقه دين

( قال رحمه الله ) وإذا كان العبد بين رجلين فأذنا له في التجارة ، ثم أدانه أحد الموليين . [ ص: 63 ] مائة درهم وأدانه أجنبي مائة درهم ، ثم بيع العبد بمائة درهم أو قتل واستوفيت القيمة مائة

درهم من قاتله أو مات وخلف مائة درهم من كسبه .

فعند أبي حنيفة رحمه الله تقسم هذه المائة بين الأجنبي ، والمولى الدائن أثلاثا بطريق العول يضرب الأجنبي فيه بمائة ، والمولى الدائن بخمسين .

وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقسم بينهما على طريق المنازعة أرباعا ثلاثة أرباعها للأجنبي وربعها للمولى الدائن وجه قولهما أن نصف المائة نصيب المولى الدائن ودينه لا يثبت في نفسه فيسلم ذلك للأجنبي خاصة ونصفه نصيب الذي لم يدن وقد استوفى فيه حق الأجنبي وحق المولى الدائن من دين كل واحد منهما فيه مقدار خمسين فيقسم ذلك بينهما نصفين وأبو حنيفة رحمه الله يقول محل الدين هو الذمة ، وإنما المال محل قضاء الدين لا محل وجوب الدين وجميع دين الأجنبي ثابت في ذمة العبد ، والثابت من دين المولى نصفه ; لأن نصف العبد ملكه ولا يستوجب المولى على عبده دينا فيضرب كل واحد منهما بجميع ما ثبت من دينه ; لأن قسمة كسب العبد بين غرمائه كقسمة التركة بين الغرماء وإذا اجتمع في التركة دين مائة لرجل ودين خمسون لآخر ، والتركة مائة فإنه يضرب كل واحد منهما فيها بجميع حقه وتكون التركة بينهما أثلاثا فهذا مثله .

وهذه المسألة بنظائرها وأضدادها قد تقدم بيانها في كتاب الدعوى فلهذا اقتصرنا على هذا الحرف لكل واحد منهما ; لأن مسائل الباب على هذا تدور ، ولو أدانه كل واحد من الموليين مائة درهم وأدانه أجنبي مائة درهم ، والمسألة بحالها فنصف المائة للأجنبي ونصفها للموليين أما عندهما فلأن نصيب الأكبر فارغ عن دينه وقد استوى فيه الأصغر مع الأجنبي ; لأن الثابت من دين كل واحد منهما فيه بقدر خمسين فيكون بينهما نصفين وكذلك نصيب الأصغر منهما فارغ عن دينه ، وقد استوى فيه حق الأكبر ، والأجنبي فيقسم بينهما نصفين فبالقسمتين يسلم للأجنبي نصف المائة ولكل واحد من الموليين ربع المائة .

فأما عند أبي حنيفة فلأن الثابت من دين كل واحد من الموليين خمسون ودين الأجنبي ثابت كله فيضرب الأجنبي بمائة وكل واحد من الموليين بخمسين فكان للأجنبي نصف المائة وللموليين نصفها بينهما نصفين وإذا كان رجلان شريكين شركة مفاوضة أو عنان وبينهما عبد ليس من شركتهما فأدانه أحدهما مائة درهم من شركتهما وأدانه أجنبي مائة ، ثم مات العبد وترك مائة أو بيع بمائة فللأجنبي ثلثاها وللشريكين ثلثها ; لأن إدانة أحد الشريكين في المال المشترك كإدانتهما جميعا فصار كل واحد منهما مدينا له بقدر الخمسين ، ثم نصيب الأكبر منهما فارغ عنه حقه ، وقد اجتمع .

[ ص: 64 ] فيه من دين الأجنبي خمسون درهما ، ومن دين الأصغر خمسة وعشرون ; لأنه كان مدينا بجميعه خمسين على مقدار حقهما أثلاثا وكذلك نصيب الأصغر يقسم بين الأصغر ، والأجنبي أثلاثا بهذا الطريق فبالقسمة يحصل للأجنبي ثلثا المائة وللموليين ثلث المائة .

وعند أبي حنيفة دين الأجنبي وهو مائة كله ثابت ، والثابت من دين كل واحد من الموليين مقدار خمسة وعشرين فإذا جعلت كل خمسة وعشرين سهما صارت المالية التي للأجنبي أربعة أسهم ولكل واحد من الموليين سهم فتكون القسمة على ستة : أربعة للأجنبي وذلك ثلثا المائة ، وسهمان للموليين وذلك ثلث المائة .

ولو كانت شركتهما شركة عنان ، والعبد من شركتهما فأداناه مائة درهم من غير شركتهما وأدانه أجنبي مائة درهم كان ثلثا المال للأجنبي وثلثه بين الموليين لما قلنا أن كل واحد منهما صار مدينا له في مقدار خمسين نصف ذلك لا في نصيبه فلم يثبت ونصفه يثبت باعتبار شريكه فكان الثابت من دين كل واحد من الموليين خمسة وعشرين ، ودين الأجنبي ثابت كله فتكون القسمة بينهم على ستة أسهم على ما بينا ، ولو كان العبد من شركتهما فداناه وأدانه أحدهما مائة من شركتهما وأدانه أجنبي مائة والمسألة بحالها فالمائة كلها للأجنبي ولا شيء لواحد من الشريكين ههنا ; لأن العبد ، والمال كله من شركتهما فلا يثبت شيء من دين الموليين لاتحاد المستحق واتحاد حكم الواجب ، والمحل الذي يقضى منه ، وإنما الثابت دين الأجنبي خاصة وهو نظير ما لو كان العبد لواحد فأدانه مائة وأجنبي مائة وأجنبي مائة ، ثم بيع بمائة فإن الثمن كله للأجنبي ولا يكون للمولى منه شيء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث