الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ست وخمسين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 305 ] ثم دخلت سنة ست وخمسين

وذلك في أيام معاوية . ففيها شتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم ، وقيل : عبد الرحمن بن مسعود . وقيل : فيها غزا في البحر يزيد بن شجرة ، وفي البر عياض بن الحارث . وفيها اعتمر معاوية في رجب ، وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . وفيها ولى معاوية سعيد بن عثمان بلاد خراسان وعزل عنها عبيد الله بن زياد ، فسار سعيد إلى خراسان ، والتقى مع الترك عند صغد سمرقند ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، واستشهد معه جماعة ، منهم - فيما قيل - قثم بن العباس بن عبد المطلب .

قال ابن جرير سأل سعيد بن عثمان بن عفان معاوية أن يوليه خراسان ، فقال : إن بها عبيد الله بن زياد . فقال سعيد لمعاوية : أما والله لقد اصطنعك أبي ورقاك ، حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى ، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه ، وقدمت علي هذا - يعني يزيد بن معاوية - وبايعت له ، ووالله لأنا خير منه أبا وأما ونفسا . فقال [ ص: 306 ] له معاوية : أما بلاء أبيك عندي فقد يحق علي الجزاء به ، وقد كان من شكري لذلك أني طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور ، ولست بلائم لنفسي في التشمير ، وأما فضل أبيك على أبيه ، فأبوك والله خير مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما فضل أمك على أمه فما لا ينكر ، فإن امرأة من قريش خير من امرأة من كلب ، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك . يعني أن الغوطة لو ملئت رجالا مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيرا وأحب إلي منهم . فقال له يزيد : يا أمير المؤمنين ، ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره ، وقد عتب عليك في فأعتبه . قال : فولاه حرب خراسان : فأتى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد من الترك ، فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم ، فصالحوه وأعطوه رهنا خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم ، فأقام بالترمذ ، ولم يف لهم ، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة .

وفيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولي عهده من بعده ، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة ; فروى ابن جرير من طريق الشعبي ، أن المغيرة كان قد قدم على معاوية ، واستعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه ، وعزم على توليتها سعيد بن العاص ، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم ، فجاء إلى يزيد بن معاوية ، فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولي العهد من بعده ، فسأل ذلك يزيد من أبيه فقال : من أمرك بهذا ؟ قال : المغيرة . فأعجب ذلك معاوية من المغيرة ورده إلى عمل الكوفة وأمره أن يسعى [ ص: 307 ] في ذلك ، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك ، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك ، فكره زياد ذلك ; لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد ، فبعث زياد إليه من يثني رأيه عن ذلك ، وهو عبيد بن كعب النميري - وكان صاحبا أكيدا لزياد - فسار إلى دمشق ، فاجتمع بيزيد أولا ، فكلمه عن زياد ، وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك ، فإن تركه خير له من السعي فيه ، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك ، واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت ، فلما مات زياد ، وكانت هذه السنة ، شرع معاوية في نظم البيعة ليزيد والدعاء إليها ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك ، فبايع له الناس في سائر الأقاليم ، إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وابن عباس ، فركب معاوية إلى مكة معتمرا ، فلما اجتاز بالمدينة مرجعه من مكة استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة ، فأوعده وتهدده بانفراده ، فكان من أشدهم عليه ردا وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وكان ألينهم كلاما عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثم خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره ، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ، ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافا ; لما تهددهم وتوعدهم ، فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد ، ووفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد . فكان فيمن قدم الأحنف بن قيس ، فأمره معاوية أن يحادث يزيد ، فجلسا ثم خرج الأحنف ، فقال له معاوية : ماذا رأيت من ابن أخيك ؟ فقال : إنا نخاف الله إن كذبنا ونخافكم إن صدقنا ، وأنت [ ص: 308 ] أعلم به في ليله ونهاره ، وسره وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، وأنت أعلم به بما أردت ، وإنما علينا أن نسمع ونطيع ، وعليك أن تنصح للأمة . وقد كان معاوية لما صالح الحسن بن علي عهد للحسن بالأمر من بعده ، فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية ، ورأى أنه لذلك أهلا ، وذاك من شدة محبة الوالد لولده ، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية ، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته ، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه ، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به : إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع . فقال له ابن عمر : إذا بايعه الناس كلهم بايعته ، ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف . وقد عاتب معاوية في ولايته يزيد سعيد بن عثمان بن عفان ، وطلب منه أن يوليه مكانه ، فقال له : والله لو ملئت الغوطة رجالا مثلك لكان يزيد أحب منكم كلكم .

وروينا عن معاوية أنه قال يوما في خطبته : اللهم إن كنت تعلم أني وليته لأنه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته ، وإن كنت تعلم أني إنما وليته لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته .

وذكر الحافظ ابن عساكر أن معاوية كان قد سمر ليلة ، فتكلم أصحابه في [ ص: 309 ] المرأة التي يكون ولدها نجيبا ، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيبا . فقال معاوية : وددت لو عرفت بامرأة تكون بهذه المثابة . فقال أحد جلسائه : قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين . قال : ومن ؟ قال : ابنتي يا أمير المؤمنين . فتزوجها معاوية ، فولدت له يزيد بن معاوية ، فجاء نجيبا ذكيا حاذقا . ثم خطب امرأة أخرى فحظيت عنده ، وولدت له غلاما آخر ، وهجر أم يزيد ، فكانت عنده في جنب داره ، فبينما هو يوما في النظارة ، ومعه امرأته الأخرى ، إذ نظر إلى أم يزيد وهي تسرحه ، فقالت امرأته : قبحها الله وقبح ما تسرح . فقال : ولم ؟ فوالله إن ولدها لأنجب من ولدك ، وإن أحببت بينت لك ذلك . ثم استدعى ولدها ، فقال له : إن أمير المؤمنين قد عن له أن يطلق لك ما تتمناه عليه ، فاطلب مني ما شئت . فقال : أسأل من أمير المؤمنين أن يطلق لي كلابا للصيد ، وخيلا ورجالا يكونون معي في الصيد . فقال معاوية : قد أمرنا لك بذلك . ثم استدعى يزيد ، فقال له كما قال لأخيه ، فقال يزيد : أويعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا ؟ فقال : لا بد أن تسأل حاجتك . فقال : أسأل - وأطال الله عمر أمير المؤمنين - أن أكون ولي عهده من بعده ، فإنه بلغني أن عدل يوم في الرعية كعبادة خمسمائة عام . فقال : قد أجبتك إلى ذلك . ثم قال لامرأته : كيف رأيت ؟ فعلمت وتحققت فضل يزيد على ولدها .

وقد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أم حرام بنت ملحان الأنصارية امرأة عبادة بن الصامت ، والصحيح الذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة [ ص: 310 ] سبع وعشرين في خلافة عثمان ، وكانت هي وزوجها مع معاوية حين دخل قبرس وقصتها بغلتها فماتت هناك وقبرها بقبرس ، والعجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرج في " الصحيحين " في قيلولة النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها ، ورؤياه في منامه قوما من أمته يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الأسرة غزاة في سبيل الله ، وأنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم ، فدعا لها ، ثم نام فرأى كذلك ، فقالت : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : " أنت من الأولين " وهم الذين فتحوا قبرس ، فكانت معهم ، وذلك في سنة سبع وعشرين ، ولم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية ! ومعهم أبو أيوب ، وقد توفي هناك ، فقبره قريب من سور قسطنطينية . وقد ذكرنا هذا مقررا في دلائل النبوة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث