الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وإذا ادعى الفقر من عرف بالغنى ، أو ادعى أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لم يقبل إلا ببينة ، وإن صدق المكاتب سيده ، أو الغارم غريمه ، فعلى وجهين ، وإن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى قبل قوله ، وإن رآه جلدا ، وذكر أن لا كسب له أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ، وإن ادعى أن له عيالا قبل وأعطي ، ويحتمل أن لا يقبل إلا ببينة ، ومن غرم ، أو سافر في معصية ، لم يدفع إليه ، فإن تاب فعلى وجهين .

التالي السابق


( وإذا ادعى الفقر من عرف بالغنى ) لم يقبل إلا ببينة ؛ لقوله - عليه السلام - في خبر قبيصة قال : " لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة : رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة ، حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش " رواه مسلم ، ولأن الأصل بقاء الغنى ، ونص أحمد أنه لا يقبل فيه إلا ثلاثة ، وجزم به في " الوجيز " ، وقال جماعة : يقبل اثنان لدين الآدمي ، وأجاب المؤلف وغيره عن خبر قبيصة أنه في حل المسألة فيقتصر عليه ( أو ادعى إنسان أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل ، لم يقبل [ ص: 429 ] إلا ببينة ) ؛ لأن الأصل عدم ما يدعيه وبراءة الذمة ، وفي قوله : إنه ابن سبيل وجه : يقبل قوله ( وإن صدق المكاتب سيده أو الغارم غريمه ، فعلى وجهين ) أصحهما يقبل ؛ لأن الحق في العبد للسيد ، فإذا أقر بانتقال حقه عنه قبل ، والغريم في معناه ، والثاني : لا يقبل إلا ببينة لجواز تواطئهما على أخذ المال ، وقدم في " الفروع " في المكاتب أنه لا يقبل إلا ببينة ؛ وهو غريب ( وإن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى قبل قوله ) ؛ لأن الأصل استصحاب الحال السابقة ، والظاهر صدقه ، ولو كان متجملا . ذكره في " الشرح " ، ويخبره بأنها زكاة ( وإن رآه جلدا ) أي : شديدا قويا ( وذكر أن لا كسب له أعطاه من غير يمين وفاقا ) ؛ لأنه - عليه السلام - لم يحلف على ذلك ( بعد أن يخبره ) على سبيل الإيجاب ( أنه لا حظ فيها لغني ، ولا لقوي مكتسب ) لما روى عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه شيئا ، " فصعد فيهما النظر فرآهما جلدين فقال : إن شئتما أعطيتكما ، ولا حظ فيها لغني ، ولا لقوي مكتسب " رواه أبو داود ، لكن إذا تفرغ للعلم وتعذر الجمع ، لا إن تفرغ للعبادة . فإن رآه ظاهر المسكنة أعطاه منها ، ولم يبين له ، قاله أحمد .

فرع : إذا سأله من ظاهره الفقر أن يعطيه شيئا ، فأعطاه قيل : يقبل قول الدافع في كونها فرضا لسؤاله بقدر العشرة دراهم ، وقيل : لا يقبل لقوله شيئا أني فقير ، قاله أبو المعالي ( وإن ادعى أن له عيالا قلد وأعطي ) قاله الأكثر ؛ لأن الظاهر صدقه ، ويسن إقامة البينة لا سيما على الغريب ، وكما يقلد في حاجة نفسه ، ( ويحتمل أن لا يقبل إلا ببينة ، وقاله ابن عقيل ، لأن الأصل عدم العيال ، [ ص: 430 ] بخلاف ما إذا ادعى أنه لا كسب له لموافقته الأصل ، ( ومن غرم ) أي : في معصية كشراء خمر ونحوه ( أو سافر في معصية ) كقطع طريق ( لم يدفع إليه ) أي : قبل التوبة ؛ لأنه إعانة على المعصية ( فإن تاب فعلى وجهين ) أصحهما : أنه يدفع إليه ؛ لأن تفريغ الذمة من الدين واجب ، والإعانة عليه قربة ، أشبه ما لو تلف ماله في المعصية حتى افتقر ، فإنه يصرف إليه من سهم الفقراء بشرطه ، وعود ابن السبيل إلى بلده ليس بمعصية ، بل ربما كان إقلاعا عنها ، كالعاق يريد الرجوع إلى أبويه .

والثاني : لا لكونه استدامة للمعصية ، فلم تدفع إليه ، كما لو لم يتب ؛ ولأنه متهم في إظهار التوبة لأجل قضاء دينه ، ثم يعود ، وكذا لو سافر في مكروه أو نزهة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث