الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

توحيد المحبوب

إذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدا ، بل هما ضدان لا يتلاقيان ، بل لا بد أن يخرج أحدهما صاحبه ، فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن [ ص: 182 ] محبة ما سواه ، وإن أحبه لم يحبه إلا لأجله ، أو لكونه وسيلة إلى محبته ، أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها ، والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب ، وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته ، وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك معه محبة غيره في محبته ، ويمقته لذلك ، ويبعده لا يحظيه بقربه ، ويعده كاذبا في دعوى محبته ، مع أنه ليس أهلا لصرف كل قوة المحبة إليه ، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده ، وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال ؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد ، بل تفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ، ولا حياة نافعة إلا بمحبته وحده ، فليختر إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه ، بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ، ابتلاه بمحبة غيره ؛ فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة ، فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان ، أو بمحبة الصلبان ، أو بمحبة المردان ، أو بمحبة النسوان ، أو بمحبة العشراء والإخوان ، أو بمحبة ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان ، فالإنسان عبد محبوبه كائنا من كان ، كما قيل :


أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي



فمن لم يكن إلهه مالكه ومولاه ، كان إلهه هواه ، قال تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [ سورة الجاثية : 23 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث