الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن القراءة خلف الإمام

[ ص: 258 ] 13 - باب في النهي عن القراءة خلف الإمام

خلاصة المسألة في المذاهب الأربعة - حديث أبي هريرة في النهي عن القراءة خلف الإمام - من ذهب إلى أن قراءة الإمام تكفي - من ذهب إلى المأموم يقرأ في صلاة السر - حديث عبادة : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب - توضيح معنى الآية : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا - هل ينسخ القرآن الحديث ؟ - ذهاب الشافعي وغيره إلى إيجاب الفاتحة في كل الأحوال كلها - حجتهم في ذلك أن في رواة حديث أبي هريرة مجهولا - وأن لأبي هريرة حديثا ينسخ حديثه الأول - وحديث عبادة يدعم ذلك .

أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحافظ في كتابه ، أخبرنا أحمد بن سهل بن أحمد الأسواري ، حدثنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى الخشاب ، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان ، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن [ ص: 259 ] الزهري ، سمع ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : صلى صلاة - قال : أظنها الصبح - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل قرأ أحد ؟ قالوا : نعم . قال : فإني أقول ما لي أنازع القرآن ؟ ! فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه .

هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه ، وابن أكيمة غير مشهور .

وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب :

[ ص: 260 ] فذهب بعضهم إلى هذا الحديث ، وقالوا : قراءة الإمام تكفيه . وممن ذهب إلى هذا : الثوري ، وابن عيينة ، وجماعة من أهل الكوفة .

وذهب بعضهم إلى أن المأموم يقرأ في صلاة السر ، ويسكت في صلاة الجهر ، وإليه ذهب الزهري ، ومالك ، وابن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق .

وزعم بعض من ذهب إلى هذا القول أن هذا الحديث ناسخ للحديث الآخر ، وهو قوله عليه السلام : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب .

وتمسك في ذلك بحديث منقطع ، أخبرنا به أبو طاهر الحافظ في كتابه ، أخبرنا أحمد بن سهل ، أخبرنا الحسن بن محمد بن حسنويه ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى ، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان ، حدثنا العباس بن يزيد أبو الفضل ، عن عبد الوهاب ، حدثنا المهاجر أبو مخلد ، عن أبي العالية ، قال : كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 261 ] إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه حتى أنزلت : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فسكت القوم ، وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن النعمان : حدثنا أبي ، حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، عن ابن لهيعة ، عن أبي هبيرة ، عن ابن عباس قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرئ خلفه ، فنزلت : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فعلى هذا يكون الحديث منسوخا بالقرآن لا بالحديث كما زعم ، إن كان ممن يجوز نسخ الحديث بالقرآن .

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى إيجاب الفاتحة في الأحوال كلها ، وإليه ذهب عبد الله بن عون ، والأوزاعي ، وأهل الشام ، والشافعي وأصحابه .

وممن أمر بقراءة فاتحة الكتاب : أبو سعيد الخدري ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وغيرهم .

وكان حجة من ذهب إلى هذا القول أحاديث ثابتة رويت في الباب .

قرأت على أبي موسى الحافظ ، أخبرك الحسن بن أحمد القارئ ، أخبرنا إبراهيم ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا بشر بن موسى ، قال : قال الحميدي : قال [ ص: 262 ] لنا قائل ممن لا يرى أن لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به : أن الزهري حدث عن ابن أكيمة ، عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما لي أنازع القرآن ؟ فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قلنا : هذا حديث رواه مجهول ، لم يروه عنه قط غيره ، ولو كان هذا ثابتا أريد به النهي عن قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام دون غيرها ، لكان في حديث العلاء عن أبيه ما يبين أنه ناسخ لهذا .

وحديث العلاء أخبرنا به أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد ، من أصله العتيق في آخرين ، قالوا : أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبد القادر ، أخبرنا أبو عمر ، وعثمان بن محمد ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي ، حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن : أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج ، غير تمام قال : فقلت : يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام ، قال : فغمز ذراعي وقال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك ، وذكر الحديث .

[ ص: 263 ] أخبرنا عبد المنعم بن عبد الله بن محمد ، أخبرنا عبد الغفار بن محمد ، أخبرنا أحمد بن الحسن ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج .

ترجمة العلاء بن عبد الرحمن على شرط مسلم ، والحديث الأول رواه في الصحيح عن قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، والحديث الثاني رواه عن إسحاق بن إبراهيم ، عن سفيان بن عيينة ، ولا علة في الحديثين ؛ لأن الحديث الأول رواه عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : شعبة بن الحجاج ، وسفيان بن عيينة ، وروح بن القاسم ، وأبو غسان محمد بن مطرف ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وإسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن يزيد البصري ، وجهضم بن عبد الله ، والحديث الثاني رواه : مالك بن أنس ، وابن جريج ، ومحمد بن إسحاق بن دينار ، والوليد بن كثير ، ومحمد بن عجلان ، عن العلاء ، عن أبي السائب ، عن [ ص: 264 ] أبي هريرة ، وكأنه سمعه منهما جميعا ، فقد رواه أبو أويس المدني ، عن العلاء بن عبد الرحمن قال : سمعت من أبي ومن أبي السائب جميعا ، وكانا جليسين لأبي هريرة ، قالا : قال أبو هريرة ، فذكره .

قال الحميدي : لأنا وجدناهما عن أبي هريرة ، ولم يتبين لنا أيهما بعد الآخر ، حتى أبان ذلك العلاء في حديثه حين قال : قال لي أبو هريرة : يا فارسي اقرأها في نفسك . فعلمنا أنما أمر بذلك أبو هريرة أبا العلاء بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أن يكون حديث ابن أكيمة الناسخ ، ثم يأمر أبو هريرة أن يعمل بالمنسوخ ، وهو رواهما معا .

وفي قول عبادة بن الصامت : أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وهو [ ص: 265 ] [ ص: 266 ] [ ص: 267 ] رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي قول أبي هريرة هذا ما دل على أنه إنما عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة في الجهر وغيره ؛ لأن من روى ( الحديثين ) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أعلم بمعناهما ، وما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غيره مع استعمالهما ذلك بعده ، ومع أن حديث ابن أكيمة الذي ليس بثابت هو المنسوخ ، وإنما قال فيه : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما لي أنازع القرآن فاحتمل أن يكون ( عنى ) النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقرأ قرآنا خلفه سوى فاتحة الكتاب ؛ لأنا وجدنا عمران بن حصين قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل قرأ خلفه بـ سبح اسم ربك الأعلى : هل قرأ أحد منكم بـ سبح اسم ربك الأعلى فقال رجل : نعم ، أنا . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدقت ، قد علمت أن بعضكم خالجنيها . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " أنازع " مثل " أخالج " ، فلا يحتمل أن يكون عنى في حديث ابن أكيمة أن يقول : ما لي أنازع القرآن يعني فاتحة الكتاب ، وهو يقول : لا صلاة إلا بها . هذا آخر كلام الحميدي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث