الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في قواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهي عنه

فصل

ومن القواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهي عنه : أنواع من الإجارات والمشاركات ، كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك .

[ ص: 225 ] فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة والمزارعة حرام باطل ، بناء على أنها نوع من الإجارة ; لأنها عمل بعوض ، والإجارة لا بد أن يكون الأجر فيها معلوما ; لأنها كالثمن . ولما روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ، وعن النجش واللمس ، وإلقاء الحجر " ، وأن العوض في المساقاة والمزارعة مجهول ; لأنه قد يخرج الزرع والثمر قليلا ، وقد يخرج كثيرا ، وقد يخرج على صفات ناقصة ، وقد لا يخرج ، فإن منع الله الثمرة كان استيفاء عمل العامل باطلا ، وهذا قول أبي حنيفة ، وهو أشد الناس قولا بتحريم هذا .

وأما مالك والشافعي ، فالقياس عندهما ما قاله أبو حنيفة ، إدخالا لذلك في الغرر ، لكن جوزا منه ما تدعو إليه الحاجة .

فجوز مالك والشافعي في القديم : المساقاة مطلقا ; لأن كراء الشجر لا يجوز ; لأنه بيع للثمر قبل بدو صلاحه ، والمالك قد يتعذر عليه سقي شجره وخدمته ، فيضطر إلى المساقاة . بخلاف المزارعة فإنه يمكنه كراء الأرض بالأجر المسمى ، فيغنيه ذلك عن المزارعة عليه تبعا ، لكن جوزا من المزارعة ما يدخل في المساقاة تبعا . فإذا كان بين الشجر بياض قليل جازت المزارعة عليه تبعا للمساقاة .

ومذهب مالك : أن زرع ذلك البياض للعامل بمطلق العقد ، فإن شرطاه بينهما جاز . وهذا إذا لم يتجاوز الثلث .

والشافعي لا يجعله للعامل ، لكن يقول : إذا لم يمكن سقي الشجر إلا بسقيه جازت المزارعة عليه . ولأصحابه في البياض إذا كان كثيرا أكثر من الشجر وجهان .

[ ص: 226 ] وهذا إذا جمعهما في صفقة واحدة ، فإن فرق بينهما في صفقتين فوجهان .

أحدهما : لا يجوز بحال ; لأنه إنما جاز تبعا ، فلا يفرد بعقد .

والثاني : يجوز إذا ساقى ثم زارع ; لأنه يحتاج إليه حينئذ ، وأما إذا قدم المزارعة لم يجز وجها واحدا ، وهذا إذا كان الجزء المشروط فيهما واحدا ، كالثلث والربع ، فإن فاضل بينهما ، ففيه وجهان .

وروي عن قوم من السلف - منهم : طاوس والحسن ، وبعض الخلف - : المنع من إجارتها بالأجرة المسماة ، وإن كانت دراهم أو دنانير .

وروى حرب عن الأوزاعي أنه سئل : هل يصلح اكتراء الأرض ؟ فقال : اختلف فيه ، فجماعة من أهل العلم لا يرون باكترائها بالدينار والدرهم بأسا ، وكره ذلك آخرون منهم ; وذلك لأن ذلك في معنى بيع الغرر ; لأن المستأجر يلتزم الأجرة بناء على ما يحصل له من الزرع ، وقد لا ينبت الزرع فيكون بمنزلة اكتراء الشجرة لاستثمارها . وقد كان طاوس يزارع ، ولأن المزارعة أبعد عن الغرر من المؤاجرة ; لأن المتعاملين في المزارعة إما أن يغنما جميعا ، أو يغرما جميعا ، فتذهب منفعة بدن هذا وبقره ، ومنفعة أرض هذا ، وذلك أقرب إلى العدل من أن يحصل أحدهما على شيء مضمون ، ويبقى الآخر تحت الخطر . إذ المقصود بالعقد : هو الزرع ، لا القدرة على حرث الأرض وبذرها وسقيها .

وعذر الفريقين - مع هذا القياس - ما بلغهم من الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيه عن المخابرة وعن كراء الأرض ، كحديث رافع بن خديج ، وحديث جابر ، فعن نافع : " أن ابن عمر كان يكري مزارعه على [ ص: 227 ] عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان ، وصدرا من إمارة معاوية ، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع ، فذهب ابن عمر إلى رافع ، فذهبت معه ، فسأله ؟ فقال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كراء المزارع . فقال ابن عمر : قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وشيء من التبن " ، أخرجاه في الصحيحين ، وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم : " حتى بلغه في آخر خلافة معاوية : أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليه وأنا معه ، فسأله فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن كراء المزارع ، فتركها ابن عمر بعد ، فكان إذا سئل عنها بعد قال : زعم رافع بن خديج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها " . وعن سالم بن عبد الله بن عمر : " أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه ، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض ، فلقيه عبد الله فقال : يا ابن خديج ، ماذا تحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كراء الأرض ؟ قال رافع بن خديج لعبد الله : سمعت عمي - وكانا قد شهدا بدرا - يحدثان أهل الدار : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء الأرض . قال عبد الله : لقد كنت أعلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض تكرى ، ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث في ذلك شيئا لم يعلمه ، فترك كراء الأرض " ، رواه مسلم .

وروى البخاري قول عبد الله الذي في آخره عن رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع ، قال ظهير : " لقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمر كان بنا رافقا ، فقلت : وما ذاك ؟ - ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حق - قال : دعاني [ ص: 228 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما تصنعون بمحاقلكم ؟ فقلت ؟ نؤاجرها يا رسول الله على [الربع] أو على الأوسق من التمر أو الشعير . قال : فلا تفعلوا ، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها . قال رافع : قلت : سمعا وطاعة " ، أخرجاه في الصحيحين . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ، فإن أبى فليمسك أرضه " ، أخرجاه . وعن جابر بن عبد الله قال : " كانوا يزرعونها بالثلث أو الربع ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ، فإن لم يفعل فليمسك أرضه " ، أخرجاه - وهذا لفظ البخاري . ولفظ مسلم : " كنا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فقال : من كانت له أرض فليزرعها ، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه ، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها " ، وفي رواية الصحيح : " ولا يكريها " . وفي رواية في الصحيح : " نهى عن كراء الأرض " .

وقد ثبت أيضا في الصحيحين عن جابر قال : " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة " وفي رواية في الصحيحين عن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة ، وأن يشتري النخل حتى يشقه : والإشقاه : أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء ، [ ص: 229 ] والمحاقلة : أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم ، والمزابنة : أن يباع النخل بأوساق من التمر ، والمخابرة : الثلث والربع وأشباه ذلك . قال زيد : قلت لعطاء بن أبي رباح : أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم " .

فهذه الأحاديث قد يستدل بها من ينهى عن المؤاجرة والمزارعة ; لأنه نهى عن كرائها ، والكراء يعمها . ولأنه قال : " فليزرعها ، أو ليمنحها أخاه ، فإن لم يفعل فليمسكها " ، فلم يرخص إلا في أن يزرعها أو يمنحها لغيره ، ولم يرخص في المعاوضة عنها ، لا بمؤاجرة ولا بمزارعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث