الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

المسألة السادسة : اختلف العلماء في تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية الكريمة في قوله : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الآية [ 17 \ 33 ] .

فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بالولي في الآية : الورثة من ذوي الأنساب والأسباب ، والرجال والنساء ، والصغار والكبار ; فإن عفا من له ذلك منهم صح عفوه وسقط به القصاص ، وتعينت الدية لمن لم يعف .

وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى .

[ ص: 121 ] وقال ابن قدامة في " المغني " : هذا قول أكثر أهل العلم ; منهم عطاء ، والنخعي ، والحكم ، وحماد ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وروي معنى ذلك عن عمر ، وطاوس ، والشعبي ، وقال الحسن ، وقتادة ، والزهري ، وابن شبرمة ، والليث ، والأوزاعي : ليس للنساء عفو ; أي : فهن لا يدخلن عندهم في اسم الولي الذي له السلطان في الآية .

ثم قال ابن قدامة : والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة ، وهو وجه لأصحاب الشافعي .

قال مقيده عفا الله عنه : مذهب مالك في هذه المسألة فيه تفصيل : فالولي الذي له السلطان المذكور في الآية الذي هو استيفاء القصاص أو العفو عنده هو أقرب الورثة العصبة الذكور ، والجد والإخوة في ذلك سواء . وهذا هو معنى قول خليل في مختصره :

والاستيفاء للعاصب كالولاء ، إلا الجد والأخوة فسيان

اه .

وليس للزوجين عنده حق في القصاص ولا العفو ، وكذلك النساء غير الوارثات : كالعمات ، وبنات الإخوة ، وبنات العم .

أما النساء الوارثات : كالبنات ، والأخوات ، والأمهات فلهن القصاص ، وهذا فيما إذا لم يوجد عاصب مساو لهن في الدرجة ، وهذا هو معنى قول خليل في مختصره :

وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب



فمفهوم قوله : " إن ورثن " أن غير الوارثات لا حق لهن ، وهو كذلك .

ومفهوم قوله : " ولم يساوهن عاصب " أنهن إن ساواهن عاصب : كبنين ، وبنات ، وإخوة وأخوات ، فلا كلام للإناث مع الذكور . وأما إن كان معهن عاصب غير مساو لهن : كبنات ، وإخوة ; فثالث الأقوال هو مذهب المدونة : أن لكل منهما القصاص ولا يصح العفو عنه إلا باجتماع الجميع ; أعني ولو عفا بعض هؤلاء ، وبعض هؤلاء . وهذا هو معنى قول خليل في مختصره :

ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم

; يعني : ولو بعض هؤلاء وبعض هؤلاء .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي في هذه المسألة : أن الولي في هذه الآية هم الورثة ذكورا كانوا أو إناثا ، ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى ; لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلا منهما يوالي [ ص: 122 ] الآخر ; كقوله تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ 9 \ 71 ] ، وقوله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض الآية [ 8 \ 75 ] .

والدليل على شمول الولي في الآية للوارثات من النساء ولو بالزوجية الحديث الوارد بذلك ، قال أبو داود في سننه : ( باب عفو النساء عن الدم ) : حدثنا داود بن رشيد ، ثنا الوليد عن الأزواعي : أنه سمع حصنا ، أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول ، وإن كانت امرأة " .

قال أبو داود : بلغني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى الأولياء ، وبلغني عن أبي عبيدة في قوله : " ينحجزوا " يكفوا عن القود .

وقال النسائي رحمه الله في سننه : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا الوليد بن الأوزاعي ، قال : حدثني حصن ، قال : حدثني أبو سلمة ( ح ) . وأنبأنا الحسين بن حريث ، قال : حدثنا الوليد ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني حصين : أنه سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول ، وإن كانت امرأة " اه .

وهذا الإسناد مقارب ; لأن رجاله صالحون للاحتجاج ، إلا حصنا المذكور فيه ففيه كلام .

فطبقته الأولى عند أبي داود : هي داود بن رشيد الهاشمي مولاهم الخوارزمي نزيل بغداد ، وهو ثقة . وعند النسائي حسين بن حريث ، وإسحاق بن إبراهيم ، وحسين بن حريث الخزاعي مولاهم أبو عمار المروزي ثقة .

والطبقة الثانية عندهما : هي الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي ثقة ، لكنه كثير التدليس والتسوية ، وهو من رجال البخاري ومسلم وباقي الجماعة .

والطبقة الثالثة عندهما : هي الإمام الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو [ عمرو ] الأوزاعي ، وهو الإمام الفقيه المشهور ، ثقة جليل .

والطبقة الرابعة عندهما : هي حصن المذكور وهو ابن عبد الرحمن ، أو ابن محصن التراغمي أبو حذيفة الدمشقي ، قال فيه ابن حجر في " التقريب " : مقبول . وقال فيه في " تهذيب التهذيب " : قال الدارقطني شيخ يعتبر به ، له عند أبي داود والنسائي حديث [ ص: 123 ] واحد " على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة " ، قلت : وذكره ابن حبان في الثقات . وقال ابن القطان : لا يعرف حاله ( ا ه ) وتوثيق ابن حبان له لم يعارضه شيء مانع من قبوله ; لأن من اطلع على أنه ثقة حفظ ما لم يحفظه مدع أنه مجهول لا يعرف حاله . وذكر ابن حجر في " تهذيب التهذيب " عن أبي حاتم ويعقوب بن سفيان أنهما قالا : لا نعلم أحدا روى عنه غير الأوزاعي .

والطبقة الخامسة عندهما : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وهو ثقة مشهور .

والطبقة السادسة عندهما : عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد رأيت أن ابن حبان رحمه الله ذكر حصنا المذكور في الثقات ، وأن بقية طبقات السند كلها صالح للاحتجاج ، والعلم عند الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث