الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد الله وعباد

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ذكر ابن جرير عن أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره ، أن هذا الرجل كان شاعرا ، وكان مع عباد بن زياد بسجستان ، فاشتغل عنه بحرب الترك ، وضاق [ ص: 346 ] على الناس علف الدواب ، فقال ابن مفرغ شعرا يهجو به عباد بن زياد على ما كان منه فقال :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ألا ليت اللحى كانت حشيشا فنعلفها خيول المسلمينا

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان عباد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدا ، فبلغه ذلك فغضب ، وتطلبه فهرب منه ، وقال فيه قصائد يهجوه بها كثيرة ، فمن ذلك قوله :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      إذا أودى معاوية بن حرب     فبشر شعب قعبك بانصداع
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فأشهد أن أمك لم تباشر     أبا سفيان واضعة القناع
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ولكن كان أمرا فيه لبس     على وجل شديد وارتياع

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقال أيضا :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ألا أبلغ معاوية بن حرب     مغلغلة من الرجل اليماني
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      أتغضب أن يقال أبوك عف     وترضى أن يقال أبوك زاني
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فأشهد أن رحمك من زياد     كرحم الفيل من ولد الأتان

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فكتب عباد بن زياد إلى أخيه عبيد الله وهو وافد على معاوية بهذه الأبيات ، فقرأها عبيد الله على معاوية ، واستأذنه في قتله ، فقال : لا تقتله ، ولكن أدبه ولا تبلغ به القتل . فلما رجع عبيد الله إلى البصرة استحضره ، وكان قد استجار بوالد زوجة عبيد الله بن زياد ، وهو المنذر بن الجارود ، وكانت ابنته بحرية عند عبيد الله ، فأجاره وآواه إلى داره ، وجاء المنذر مسلما على عبيد الله ، وبعث عبيد الله الشرط إلى دار المنذر ، فجاءوا بابن مفرغ ، فأوقف بين [ ص: 347 ] يديه ، فقال المنذر : إني قد أجرته . فقال : يمدحك ويمدح أباك فترضى عنه ، ويهجوني ويهجو أبي ثم تجيره علي ؟ ! ثم أمر عبيد الله بابن مفرغ فسقي دواء مسهلا ، وحملوه على حمار عليه إكاف ، وجعلوا يطوفون به في الأسواق وهو يسلح ، والناس ينظرون إليه ، ثم أمر به فنفي إلى سجستان ، إلى عند أخيه عباد ، فقال ابن مفرغ لعبيد الله بن زياد :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      يغسل الماء ما صنعت وقولي     راسخ منك في العظام البوالي

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكلم اليمانيون معاوية في أمر ابن مفرغ ، وأنه إنما بعث به إلى أخيه ليقتله ، فبعث معاوية إلى ابن مفرغ فأحضره ، فلما وقف بين يديه بكى وشكى إلى معاوية ما فعل به عبيد الله ، فقال له معاوية : إنك هجوته ، ألست القائل كذا ؟ ألست القائل كذا ؟ فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئا ، وذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان ، وأحب أن يسندها إلي ، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم ومنعه العطاء حتى يرضى عنه عبيد الله بن زياد وأنشد ابن مفرغ ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      عدس ما لعباد عليك إمارة     نجوت وهذا تحملين طليق
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      لعمري لقد نجاك من هوة الردى     إمام وحبل للأنام وثيق
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      سأشكر ما أوليت من حسن نعمة     ومثلي بشكر المنعمين حقيق

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فقال له معاوية : أما لو كنا نحن الذين هجوتنا لم يكن من ذلك شيء . [ ص: 348 ] ثم خيره أي البلاد أعجب إليه يقيم بها ، فاختار الموصل فأرسله إليها ، ثم استأذن عبيد الله في القدوم إلى البصرة والمقام بها ، فأذن له .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثم إن عبد الرحمن بن الحكم ركب إلى عبيد الله فاسترضاه ، فرضي عنه ، وأنشده عبد الرحمن


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      لأنت زيادة في آل حرب     أحب إلي من إحدى بناني
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      أراك أخا وعما وابن عم     ولا أدري بغيب ما تراني

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فقال له عبيد : أراك والله شاعر سوء . ثم رضي عنه ، وأعيد إليه ما كان منع من العطاء .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو معشر والواقدي : وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، وكان نائب المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير وقاضيها شريح ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وقاضيها هشام بن هبيرة ، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد ، وعلى سجستان عباد بن زياد ، وعلى كرمان شريك بن الأعور الحارثي ، من قبل عبيد الله بن زياد .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية