الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
248 [ ص: 238 ] [ ص: 239 ] حديث رابع لصفوان بن سليم ، مرسل

مالك ، عن صفوان بن سليم ، قال مالك : لا أدري أعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم لا ؟ قال : من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه .

التالي السابق


قال أبو عمر : هذا الحديث يستند من وجوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسنها إسنادا : حديث أبي الجعد الضمري : أخبرنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد ، قالا : حدثنا عبد الله بن مسرور ، قال : حدثنا عيسى بن مسكين ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر ، قال : حدثنا أبو أسامة ، ويزيد بن هارون ، قالا : حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي ، قال : سمعت أبا الجعد الضمري - وكانت له صحبة - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها ، طبع الله على قلبه .

[ ص: 240 ] أخبرنا عبد الرحمن بن مروان ، قال : أخبرنا الحسن بن حي القلزمي ، قال : حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود ، قال : حدثنا عبد الله بن هاشم ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن محمد بن عمرو ، قال : حدثني عبيدة بن سفيان ، عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك ثلاث جمع تهاونا ، طبع الله على قلبه .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا داود بن عبد الله الجعفري ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن أسيد بن أبي أسيد البراد ، عن ابن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة فقد طبع على قلبه .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، قال : حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ ، قال : حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر قال : حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا أسيد بن أبي أسيد ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه . [ ص: 241 ] هكذا قال عبد الله بن جعفر في هذا الحديث ، جعله عن جابر ، والأول عندي أولى بالصواب على رواية الدراوردي ، وعبد الله بن جعفر هذا هو والد علي ابن المديني ، وهو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح ، وعلي أحد أئمة أهل الحديث ، وأبوه عبد الله بن جعفر مدني ضعيف .

وحدثنا يعيش بن سعيد ، وأحمد بن قاسم ، ومحمد بن إبراهيم ، قالوا : أخبرنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا محمد بن الحسين بن مرداس أبو العباس الأيلي ، قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن نافع ، عن أبي معشر ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك الجمعة ثلاثا ولاء من غير عذر ، طبع الله على قلبه .

أخبرنا خلف بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع ، قالا : حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عاصم بن علي ، قال : حدثنا فرج بن فضالة ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم يكونون من الغافلين .

[ ص: 242 ] حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن المسور ، وبكير بن الحسن الرازي - بمصر ، قالا : حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا الفرج بن فضالة ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لينتهين قوم عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين .

وبهذا الإسناد عن أسد بن موسى قال : حدثنا مروان بن معاوية ، قال : حدثنا عوف الأعرابي ، قال : حدثني سعيد بن أبي الحسن ، قال : سمعت ابن عباس يقول : من ترك أربع جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره .

وبه عن أسد قال : حدثنا محمد بن مطرف ، عن أبي حازم ، عن سعيد بن المسيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر طبع على قلبه .

حدثنا محمد بن قاسم بن محمد ، وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، ومحمد بن إبراهيم بن سعيد ، قالوا : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، قال : حدثنا عوف الأعرابي عن سعيد بن أبي الحسن ، عن ابن عباس ، قال : من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره . [ ص: 243 ] ورواه سفيان الثوري عن عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، عن ابن عباس مثله .

وبالإسناد عن نعيم بن حماد ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، وجرير بن عبد الحميد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد أن رجلا سأل ابن عباس شهرا ، كل يوم يسأله : ما تقول في رجل يصوم بالنهار ، ويقوم الليل ، ولا يحضر صلاة الجمعة ، ولا جماعة ؟ فكل ذلك يقول له ابن عباس : صاحبك في النار .

قال أبو عمر : قد يجوز أن يكون ابن عباس علم منه مع ذلك ما أوجب أن يقول له : صاحبك في النار ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد فيه لين أنه قال : من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر كتب منافقا .

وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض أو مسافر .

وأما قوله في الحديث : من غير عذر . فالعذر يتسع القول فيه ، وجملته : كل مانع حائل بينه وبين الجمعة مما يتأذى به [ ص: 244 ] أو يخاف عدوانه ، أو يبطل بذلك فرضا لا بدل منه ، فمن ذلك السلطان الجائر يظلم ، والمطر الوابل المتصل ، والمرض الحابس ، وما كان مثل ذلك ، ومن العذر أيضا أن تكون عنده جنازة لا يقوم بها غيره ، وإن تركها ضاعت وفسدت ، وقد روينا هذا في الجنازة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، ويحيى بن أبي كثير ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وعن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن رجل كان مع الإمام - وهو يخطب في الجمعة - فبلغه أن أباه أخذه الموت ؟ فرخص له أن يذهب إليه ويترك الإمام في الخطبة .

قال أبو عمر : هذا - عندي - على أنه لم يكن لأبيه أحد غيره يقوم لمن حضره الموت بما يحتاج الميت إليه من حضوره للتغميض والتلقين ، وسائر ما يحتاج إليه ; لأن تركه في مثل تلك الحال عقوق ، والعقوق من الكبائر ، وقد تنوب له عن الجمعة الظهر ، ولم يأت الوعيد في ترك الجمعة إلا من غير عذر ثلاثا ، فكيف بواحدة من عذر بين ، فقول عطاء صحيح ، والله أعلم .

وقد وردت في فرض الجمعة آثار قد ذكرتها في غير هذا الموضع ، وأصح ما في ذلك ما ذكرته في هذا الباب ، وقد ذكرنا على من تجب الجمعة من أهل المصر وغيرهم في باب ابن شهاب ، والحمد لله .




الخدمات العلمية