الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل سورة البقرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب فضل سورة البقرة

4723 حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن عبد الرحمن عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ بالآيتين وحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه وقال عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص الحديث فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقك وهو كذوب ذاك شيطان

التالي السابق


قوله : ( باب فضل سورة البقرة ) أورد فيه حديثين : الأول : قوله : ( عن سليمان ) هو الأعمش ، ولشعبة فيه شيخ آخر وهو منصور أخرجه أبو داود عن حفص بن عمر عن شعبة عنه ، وأخرجه النسائي من طريق يزيد بن زريع عن شعبة كذلك ، وجمع غندر عن شعبة فأخرجه مسلم عن أبي موسى وبندار وأخرجه النسائي عن بشر بن خالد ثلاثتهم عن غندر ، أما الأولان فقالا عنه عن شعبة عن منصور وأما بشر فقال عنه عن شعبة عن الأعمش وكذا أخرجه أحمد عن غندر . قوله : ( عن عبد الرحمن ) هو ابن يزيد النخعي .

قوله : ( عن أبي مسعود ) في رواية أحمد عن غندر عن عبد الرحمن بن يزيد عن علقمة عن أبي مسعود وقال في آخره " قال عبد الرحمن ولقيت أبا مسعود فحدثني به " وسيأتي نحوه للمصنف من وجه آخر في " باب كم يقرأ من القرآن " وأخرجه في " باب من لم ير بأسا أن يقول سورة كذا " من وجه آخر عن الأعمش عن إبراهيم [ ص: 673 ] عن عبد الرحمن وعلقمة جميعهما عن أبي مسعود ، فكأن إبراهيم حمله عن علقمة أيضا بعد أن حدثه به عبد الرحمن عنه ، كما لقي عبد الرحمن أبا مسعود فحمله عنه بعد أن حدثه به علقمة ، وأبو مسعود هذا هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري الذي تقدم بيان حاله في غزوة بدر من المغازي ، ووقع في رواية عبدوس بدله " ابن مسعود " وكذا عند الأصيلي عن أبي زيد المروزي في نسخة أخرى [1] وصوبه الأصيلي فأخطأ في ذلك بل هو تصحيف ، قال أبو علي الجياني : الصواب " عن أبي مسعود " وهو عقبة بن عمرو . قلت : وقد أخرجه أحمد من وجه آخر عن الأعمش فقال فيه : " عن عقبة بن عمرو " .

قوله : ( من قرأ بالآيتين ) كذا اقتصر البخاري من المتن على هذا القدر ، ثم حول السند إلى طريق منصور عن إبراهيم بالسند المذكور وأكمل المتن فقال : من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ، وقد أخرجه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة فقال فيه : " من سورة البقرة " لم يقل " آخر " فلعل هذا هو السر في تحويل السند ليسوقه على لفظ منصور . على أنه وقع في رواية غندر عند أحمد بلفظ " من قرأ الآيتين الأخيرتين " فعلى هذا فيكون اللفظ الذي ساقه البخاري لفظ منصور ، وليس بينه وبين لفظ الأعمش الذي حوله عنه مغايرة في المعنى والله أعلم .

قوله : ( من آخر سورة البقرة ) يعني من قوله تعالى : آمن الرسول إلى آخر السورة ، وآخر الآية الأولى المصير ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة ، وأما ما اكتسبت فليست رأس آية باتفاق العادين . وقد أخرج علي بن سعيد العسكري في " ثواب القرآن " حديث الباب من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو بلفظ : من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتا : آمن الرسول إلى آخر السورة ومن حديث النعمان بن بشير رفعه : إن الله كتب كتابا أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة وقال في آخره : آمن الرسول ، وأصله عند الترمذي و النسائي وصححه ابن حبان والحاكم . ولأبي عبيد في " فضائل القرآن " من مرسل جبير بن نفير نحوه وزاد فاقرءوهما وعلموهما أبناءكم ونساءكم ، فإنهما قرآن وصلاة ودعاء .

قوله : ( كفتاه ) أي أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن ، وقيل أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها ، وقيل معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالا ، وقيل : معناه : كفتاه كل سوء ، وقيل : كفتاه شر الشيطان ، وقيل : دفعتا عنه شر الإنس والجن ، وقيل : معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر ، وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم ، وذكر الكرماني عن النووي أنه قال : كفتاه عن قراءة سورة الكهف وآية الكرسي ، كذا نقل عنه جازما به ، ولم يقل ذلك النووي وإنما قال : ما نصه : قيل معناه كفتاه من قيام الليل ، وقيل : من الشيطان ، وقيل : من الآفات ، ويحتمل من الجميع . هذا آخر كلامه . وكأن سبب الوهم أن عند النووي عقب هذا باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي فلعل النسخة التي وقعت للكرماني سقط منها لفظ باب وصحفت فضل فصارت وقيل ، واقتصر النووي في " الأذكار " على الأول والثالث نقلا ثم قال : قلت : ويجوز أن يراد الأولان انتهى . وعلى هذا فأقول : يجوز أن يراد جميع ما تقدم والله أعلم . والوجه الأول ورد صريحا من طريق عاصم عن علقمة عن أبي مسعود رفعه من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه [ ص: 674 ] قيام ليلة ويؤيد الرابع حديث النعمان بن بشير رفعه إن الله كتب كتابا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال " أخرجه الحاكم وصححه ، وفي حديث معاذ لما أمسك الجني وآية ذلك لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة فيدخل أحد منها بيته تلك الليلة أخرجه الحاكم أيضا . الحديث الثاني : حديث أبي هريرة ، تقدم شرحه في الوكالة ، وقوله في آخره صدقك وهو كذوب هو من التتميم البليغ ، لأنه لما أوهم مدحه بوصفه الصدق في قوله صدقك استدرك نفي الصدق عنه بصيغة مبالغة ، والمعنى صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر ، وهو كقولهم قد يصدق الكذوب ، وقوله " ذاك شيطان " كذا للأكثر ، وتقدم في الوكالة أنه وقع هنا " ذاك الشيطان " واللام فيه للجنس أو العهد الذهني من الوارد أن لكل آدمي شيطانا وكل به ، أو اللام بدل من الضمير كأنه قال : ذاك شيطانك ، أو المراد الشيطان المذكور في الحديث الآخر حيث قال في الحديث : " ولا يقربك شيطان " وشرحه الطيبي على هذا فقال : هو - أي قوله : فلا يقربك شيطان - مطلق شائع في جنسه ، والثاني فرد من أفراد ذلك الجنس . وقد استشكل الجمع بين هذه القصة وبين حديث أبي هريرة أيضا الماضي في الصلاة وفي التفسير وغيرهما أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن شيطانا تفلت علي البارحة الحديث وفيه ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية وتقرير الإشكال أنه - صلى الله عليه وسلم - امتنع من إمساكه من أجل دعوة سليمان - عليه السلام - حيث قال : وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي قال الله تعالى : فسخرنا له الريح ثم قال : والشياطين وفي حديث الباب أن أبا هريرة أمسك الشيطان الذي رآه وأراد حمله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والجواب أنه يحتمل أن يكون المراد بالشيطان الذي هم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوثقه هو رأس الشياطين الذي يلزم من التمكن منه التمكن منهم فيضاهي حينئذ ما حصل لسليمان - عليه السلام - من تسخير الشياطين فيما يريد والتوثق منهم ، والمراد بالشيطان في حديث الباب إما شيطانه بخصوصه أو آخر في الجملة لأنه يلزم من تمكنه منه اتباع غيره من الشياطين في ذلك التمكن ، أو الشيطان الذي هم النبي - صلى الله عليه وسلم - بربطه تبدى له في صفته التي خلق عليها ، وكذلك كانوا في خدمة سليمان - عليه السلام - على هيئتهم ، وأما الذي تبدى لأبي هريرة في حديث الباب فكان على هيئة الآدميين فلم يكن في إمساكه مضاهاة لملك سليمان ، والعلم عند الله تعالى

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث