الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيع المأذون المكيل أو الموزون من صنفين

( قال رحمه الله ) : وإذا باع المأذون من رجل عشرة أقفزة حنطة ، وعشرة أقفزة شعير فقال : أبيعك هذه العشرة إلا قفيز حنطة ، وهذه العشرة الأقفزة شعير ، كل قفيز بدرهم فالبيع جائز ; لأن جملة المبيع معلوم ، والثمن معلوم وكل متى أضيفت إلى ما يعلم منتهاه تتناول الجميع فإن تقابضا ثم وجد بالحنطة عيبا ردها بنصف الثمن على حساب كل قفيز بدرهم ; لأنه كذلك اشترى وعند الرد بالعيب إنما يرد المعيب بالثمن المسمى بمقابلته فإذا كان المسمى بمقابلة كل قفيز من الحنطة درهما ردها بذلك أيضا ، وكذلك لو قال : القفيز بدرهم ; لأن الألف واللام للجنس إذا لم يكن هناك معهود فيتناول كل قفيز من الحنطة ، وكل قفيز من الشعير بمنزلة قوله كل قفيز ، ولو قال : كل قفيز منهما بدرهم وتقابضا ثم وجد بالحنطة عيبا ، فإنه يردها على حساب كل قفيز منهما النصف من الحنطة ، والنصف من الشعير بدرهم ، وذلك بأن يقسم جميع الثمن عشرين درهما على قيمة الحنطة وقيمة الشعير ، فإن كانت قيمة الحنطة عشرين درهما وقيمة الشعير عشرة رد الحنطة بثلثي الثمن ; لأنه أضاف القفيز الذي جعل الدرهم بمقابلته إليهما بقوله منهما .

ومطلق هذه الإضافة يقتضي التسوية بينهما فيكون نصف كل قفيز بمقابلة الدرهم من الحنطة ونصف من الشعير ، فلهذا يقسم جملة الثمن على قيمتهما بخلاف الأول فهناك ذكر القفيز مطلقا ، وإطلاقه يقتضي أن يكون بمقابلة كل قفيز من الحنطة درهم ، وبمقابلة كل قفيز من الشعير درهم ، وكذلك لو قال : القفيز منهما بدرهم فهذا وقوله كل قفيز منهما بدرهم سواء كما بينا .

ولو قال : أبيعك هذه الحنطة وهذا الشعير ، ولم يسم كيلهما كل قفيز بدرهم فالبيع فاسد في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأن من أصله أنه إذا لم تكن الجملة معلومة ، فإن ما يتناول هذا اللفظ قفيزا واحدا ، وقد بينا له [ ص: 12 ] هذا الأصل في البيوع ، ولا يعلم أن ذلك القفيز من الحنطة أو من الشعير ففسد البيع في ذلك أيضا ; للجهالة حتى يعلم الكيل كله فإن علمه فهو بالخيار إن شاء أخذ كل قفيز حنطة بدرهم ، وكل قفيز شعير بدرهم ، وإن شاء ترك ، وهكذا يكشف الحال عنده إذا صارت جملة الثمن معلومة له الآن فيتخير بين الأخذ ، والترك ، وعندهما البيع جائز كل قفيز من الحنطة بدرهم ، وكل قفيز من الشعير بدرهم ; لأن جهالة الجملة لا تقضي إلى تمكن المنازعة ، ولو قال : كل قفيز منهما بدرهم كان البيع واقعا في قول أبي حنيفة رحمه الله على قفيز واحد نصفه من الحنطة ونصفه من الشعير بدرهم ; لأن هذا معلوم ، وثمنه معلوم ، وفيما زاد على القفيز الواحد إذا علم بكيل ذلك فهو بالخيار إن شاء أخذ كل قفيز منهما بدرهم ، وإن شاء ترك في قول أبي يوسف ومحمد البيع لازم له في جميع ذلك كل قفيز منهما بدرهم نصفه من الحنطة ونصفه من الشعير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث