الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

خاصية التعبد

وخاصية التعبد : الحب مع الخضوع ، والذل للمحبوب ، فمن أحب محبوبا وخضع له فقد تعبد قلبه له ، بل التعبد آخر مراتب الحب ، ويقال له التتيم أيضا ، فإن أول مراتبه العلاقة ، وسميت علاقة لتعلق المحب بالمحبوب .

قال الشاعر :


وعلقت ليلى وهي ذات تمائم ولم يبد للأتراب من ثديها حجم



وقال الآخر :


أعلاقة أم الوليد بعيد ما     أفنان رأسك كالثغام المخلس



[ ص: 183 ] ثم بعدها الصبابة ، وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب ، قال الشاعر :


تشكى المحبون الصبابة ليتني     تحملت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها     فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي



ثم الغرام ، وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه ، ومنه سمي الغريم غريما ؛ لملازمته صاحبه ، ومنه قوله تعالى : إن عذابها كان غراما [ سورة الفرقان : 65 ] .

وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب ، وقل أن تجده في أشعار العرب .

ثم العشق وهو إفراط المحبة ، ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ، ولا يطلق في حقه .

ثم الشوق وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر ، وقد جاء إطلاقه في حق الرب تعالى كما في مسند الإمام أحمد عن عمار بن ياسر : " أنه صلى صلاة فأوجز فيها ، فقيل له في ذلك ، فقال أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يدعو بهن : اللهم إني أسألك بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، وأسألك الشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين .

وفي أثر آخر : " طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا " .

وهذا هو المعنى الذي عبر عنه - صلى الله عليه وسلم - بقوله : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه .

وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى : من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [ سورة العنكبوت : 5 ] .

لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه ، وأن قلوبهم لا تهتدي دون لقائه ، ضرب لهم أجلا وموعدا للقائه ، وتسكن نفوسهم به ، وأطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين ، فحياتهم هي الحياة الطيبة الحقيقية ، ولا حياة للقلب [ ص: 184 ] أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها ، وهي الحياة الطيبة في قوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة [ سورة النحل : 97 ] .

ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار ، والأبرار والفجار ، ومن طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح ، بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة ، وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة ، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده ، وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هما واحدا في مرضاة الله ؟ ولم يتشعب قلبه ، بل أقبل على الله ، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت متقسمة بكل واد منها شعبة على الله ، فصار ذكره بمحبوبه الأعلى وحبه والشوق إلى لقائه ، والأنس بقربه هو المستولي عليه ، وعليه تدور همومه وإرادته وقصوده بكل خطرات قلبه ، فإن سكت سكت بالله ، وإن نطق نطق بالله ، وإن سمع فبه يسمع ، وإن أبصر فبه يبصر ، وبه يبطش ، وبه يمشي ، وبه يسكن ، وبه يحيا ، وبه يموت ، وبه يبعث ، كما في صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى ، أنه قال : " ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يمشي ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ، كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت ، وأكره مساءته ولا بد له منه " .

فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي - الذي حرام على غليظ الطبع كسيف القلب فهم معناه والمراد به - حصر أسباب محبته في أمرين : أداء فرائضه ، والتقرب إليه بالنوافل .

وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما يتقرب به إليه المتقربون ، ثم بعدها النوافل ، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله ، فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبته لله له محبة أخرى منه فوق المحبة الأولى ، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه ، وملكت عليه روحه ، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه ألبتة ، فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى ، ومالكا لزمام قلبه مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق في محبته ، التي قد اجتمعت قوى محبة حبه كلها له .

ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه ، وإن أبصر أبصر به ، وإن بطش بطش به ، وإن مشى مشى به ، فهو في قلبه ومعه وأنيسه وصاحبه ، فالباء هاهنا للمصاحبة ، وهي مصاحبة لا نظير لها ، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها ، فالمسألة حالية لا علمية محضة .

[ ص: 185 ] وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها ، كما قال بعض المحبين :


خيالك في عيني وذكرك في فمي     ومثواك في قلبي فأين تغيب



وقال الآخر :


ومن عجب أني أحن إليهم     فأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها     ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي



وهذا ألطف من قول الآخر :


إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني     إذ أنت فيه مكان السر لم تغب
أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب     فقد تحيرت بين الصدق والكذب



فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه ، وربما تمكنت منه المحبة ، حتى يصير أدنى إليه من نفسه ، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه ، كما قال :


أريد لأنسى ذكرها فكأنما     تمثل لي ليلى بكل سبيل



وقال الآخر :


يراد من القلب نسيانكم     وتأبى الطباع على الناقل



وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر ، فإن هذه الآلات آلات الإدراك وآلات الفعل ، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة ، ويجلبان إليه الحب والبغض ، فيستعمل اليد والرجل ، فإذا كان سمع العبد بالله ، وبصره بالله كان محفوظا في آلات إدراكه ، وكان محفوظا في حبه وبغضه ، فحفظ في بطشه ومشيه .

وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان ، فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة ، وبغير اختياره تارة ، وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة ، وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منهما ، فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا بقصد واختيار ؟ وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها .

وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح ، فإنه ترجمانه ورسوله .

وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به سمعه وبصره وبطشه ومشيه بقوله : " كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها " تحقيقا لكونه مع عبده ، وكون عبده في إدراكاته ، بسمعه وبصره وحركاته بيديه ورجله .

[ ص: 186 ] وتأمل كيف قال : " فبي يسمع ، وبي يبصر " ولم يقل : فلي يسمع ، ولي يبصر ، وربما يظن الظنان أن اللام أولى بهذا الموضع ، إذ هي أدل على الغاية ، ووقوع هذه الأمور لله ، وذلك أخص من وقوعها به ، وهذا من الوهم والغلط ، إذ ليست الباء هاهنا بمجرد الاستعانة ، فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم ، وإن الباء هاهنا للمصاحبة ، أي : إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي وأنا صاحبه معه ، كقوله في الحديث الآخر : " أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " وهذه هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى : لا تحزن إن الله معنا [ سورة التوبة : 40 ] .

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، وقوله تعالى : وإن الله لمع المحسنين [ سورة العنكبوت : 69 ] .

وقوله : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ سورة النحل : 128 ] .

وقوله : واصبروا إن الله مع الصابرين [ سورة الأنفال : 46 ] .

وقوله : كلا إن معي ربي سيهدين [ سورة الشعراء : 62 ] .

وقوله تعالى لموسى وهارون : إنني معكما أسمع وأرى [ سورة طه : 46 ] .

فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية دون اللام ، ولا يتأتى للعبد الإخلاص والصبر والتوكل ، ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية .

فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق ، وانقلبت المخاوف في حقه ، فبالله يهون كل صعب ، ويسهل كل عسير ، ويقرب كل بعيد ، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان ، فلا هم مع الله ، ولا غم ولا حزن إلا حيث يفوته العبد معنى هذه الباء ، فيصير قلبه حينئذ كالحوت ، إذا فارق الماء يثب وينقلب حتى يعود إليه .

ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه في محابه ؛ حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه ، فقال : " ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه " . أي : كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب بمحابي ، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به ، ويستعيذني أن يناله ، وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه [ ص: 187 ] في إماتة عبده ؛ لأنه يكره الموت ، والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده ، ويكره مساءته ، فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته ، فإنه ما أماته إلا ليحييه ، ولا أمرضه إلا ليصحه ، ولا أفقره إلا ليغنيه ، ولا منعه إلا ليعطيه ، ولم يخرج من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله ، ولم يقل لأبيه اخرج منها إلا وهو يريد أن يعيده إليها ، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه ، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة لله ، لكان بعض ما يستحقه على عبده .


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى     وحنينه أبدا لأول منزل



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث