الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 298 ] الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصرة

ثم ملك قسطنطين المعروف بأمه هيلانى في جميع بلاد الروم ، وجرى بينه وبين مقسيمانوس وابنه حروب كثيرة ، فلما ماتا استولى على الملك وتفرد به ، وكان ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر ، وهو الذي تنصر من ملوك الروم وقاتل عليها حتى قبلها الناس ودانوا بها إلى هذا الوقت .

وقد اختلفوا في سبب تنصره ، فقيل : إنه كان به برص وأرادوا نزعه فأشار عليه بعض وزرائه ممن كان يكتم النصرانية بإحداث دين يقاتل عليه ثم حسن له النصرانية ليساعده من دان به ، ففعل ذلك . فتبعه النصارى من الروم مع أصحابه وخاصته ، فقوي بهم وقهر من خالفه .

وقيل : إنه سير عساكر على أسماء أصنامهم ، فانهزمت العساكر ، وكان لهم سبعة أصنام على أسماء الكواكب السبعة على عادة الصابئين ، فقال له وزير له يكتم النصرانية في هذا وأزرى بالأصنام وأشار إليه بالنصرانية . فأجابه ، فظفر ، ودام ملكه ، وقيل غير ذلك .

وهو الذي بنى مدينة القسطنطينية لثلاث سنين خلت من ملكه بمكانها الآن ، اختاره لحصانته ، وهي على الخليج الآخذ من البحر الأسود إلى بحرالروم ، والمدينة [ ص: 299 ] على البر المتصل برومية وبلاد الفرنج والأندلس ، والروم تسميها استنبول ، يعني مدينة الملك .

ولعشرين سنة مضت من ملكه كان السنهودس الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم ، ومعناه الاجتماع ، فيه ألفان وثمانية وأربعون أسقفا ، فاختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا متفقين غير مختلفين ، فحرموا آريوس الإسكندراني الذي يضاف إليه الآريوسية من النصارى ، ووضع شرائع النصرانية بعد أن لم تكن ، وكان رئيس هذا المجمع بطرق الإسكندرية .

وفي السنة السابعة من ملكه سارت أمه هيلانى الرهاوية ، كان أبوه سباها من الرهاء ، فأولدها هذا الملك ، فسارت إلى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها ، وجعلت ذلك اليوم عيدا ، فهو عيد الصليب ، وبنت الكنيسة المعروفة بقمامة ، وتسمى القيامة ، وهي إلى وقتنا هذا يحجها أنواع النصارى .

وقيل : كان مسيرها بعد ذلك لأن ابنها دان النصرانية في قول بعضهم بعد عشرين سنة من ملكه . وفي السنة الحادية والعشرين من ملكه طبق جميع مماليكه بالبيع هو وأمه ، منها : كنيسة حمص ، وكنيسة الرهاء ، وهي من العجائب .

ثم ملك بعده قسطنطين أنطاكية أربعا وعشرين سنة بعهد من أبيه إليه وسلم إليه القسطنطينية ، وإلى أخيه قسطنس أنطاكية ، والشام ، ومصر ، والجزيرة ، وإلى أخيه قسطوس رومية وما يليها من بلاد الفرنج والصقالبة ، وأخذ عليهما المواثيق بالانقياد لأخيهما قسطنطين .

ثم ملك بعده يوليانوس ابن أخيه سنتين ، وكان يدين بمذهب الصابئين ويخفي ذلك . فلما ملك أظهرها وخرب البيع وقتل النصارى ، وهو الذي سار إلى العراق أيام [ ص: 300 ] سابور بن أردشير فقتل بسهم غرب ، وقد ذكر أبو جعفر خبر هذا الملك مع سابور ذي الأكتاف وهو بعد سابور بن أردشير .

ثم ملك بعده يونيانوس سنة فأظهر دين النصرانية ودان بها وعاد من العراق .

ثم ملك بعده ولنطيوش اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر ، ثم ملك والنس ثلاث سنين وثلاثة أشهر ، ثم ملك والنطيانوس ثلاث سنين . ثم ملك تدوس الكبير ، ومعناه عطية الله ، تسع عشرة سنة ، وفي ملكه كان السنهودس الثاني بمدينة القسطنطينية ، اجتمع فيه مائة وخمسون أسقفا لعنوا مقدونس وأشياعه ، وكان فيه بطرق الإسكندرية وبطرق أنطاكية وبطرق البيت المقدس ، والمدن التي يكون فيها كراسي البطرق أربع : إحداهما رومية ، وهي لبطرس الحواري ، والثانية الإسكندرية ، وهي لمرقس أحد أصحاب الأناجيل الأربعة ، والثالثة القسطنطينية ، والرابعة أنطاكية ، وهي لبطرس أيضا ، ولثماني سنين من ملكه ظهر أصحاب الكهف .

ثم ظهر بعده أرقاديوس بن تدوس ثلاث عشرة سنة ، ثم ملك تدوس الصغير بن تدوس الكبير اثنتين وأربعين سنة ، ولإحدى وعشرين [ ص: 301 ] سنة من ملكه كان السنهودس الثالث بمدينة أفسس ، وحضر هذا المجمع مائتا أسقف ، وكان سببه ما ظهر من نسطورس بطرق القسطنطينية ، وهو رأس النسطورية من النصارى ، من مخالفة مذهبهم فلعنوه ونفوه ، فسار إلى صعيد مصر فأقام ببلاد إخميم ، ومات بقرية يقال لها سيصلح ، وكثر أتباعه ، وصار بسبب ذلك بينهم وبين مخالفيهم حرب وقتال ، ثم دثرت مقالته إلى أن أحياها برصوما مطران نصيبين قديما .

ومن العجائب أن الشهرستاني مصنف كتاب : " نهاية الإقدام في الأصول " ، ومصنف كتاب : " الملل والنحل " ، في ذكر المذاهب والآراء القديمة والجديدة ، ذكر فيه أن نسطور كان أيام المأمون ، وهذا تفرد به ، ولا أعلم له في ذلك موافقا .

ثم ملك بعده مرقيان ست سنين ، وفي أول سنة من ملكه كان السنهودس الرابع على تسقرس بطرق القسطنطينية ، اجتمع فيه ثلاثمائة وثلاثون أسقفا ، وفي هذا المجمع خالفت اليعقوبية سائر النصارى .

ثم ملك ليون ست عشرة سنة ، ثم ملك ليون الصغير سنة ، وكان يعقوبي المذهب ، ثم ملك زينون سبع سنين ، وكان يعقوبيا ، فزهد في الملك فاستخلف ابنا له [ ص: 302 ] فهلك ، فعاد إلى الملك ، ثم ملك نسطاس سبعا وعشرين سنة ، وكان يعقوبي المذهب ، وهو الذي بنى عمورية ، فلما حفر أساسها أصاب فيه مالا وفى بالنفقة على بنائها وفضل منه شيء بنى به بيعا وأديرة .

ثم ملك يوسطين سبع سنين ، وأكثر القتل في اليعقوبية .

ثم ملك يوسطانوس تسعا وعشرين سنة ، وبنى بالرهاء كنيسة عجيبة ، وفي أيامه كان السنهودس الخامس بالقسطنطينية ، فحرموا أدريحا أسقف منبج لقوله بتناسخ الأرواح في أجساد الحيوان ، وأن الله يفعل ذلك جزاء ما ارتكبوه . وفي أيامه كان بين اليعاقبة والملكية ببلاد مصر فتن ، وفي أيامه ثار اليهود بالبيت المقدس وجبل الخليل على النصارى فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وبنى الملك من البيع والأديرة شيئا كثيرا .

ثم ملك يوسطينوس ثلاث عشرة سنة ، وفي أيامه كان كسرى أنوشروان ، ثم ملك طبايوس ثلاث سنين وثمانية أشهر ، وكان بينه وبين أنوشروان مراسلات ومهاداة ، وكان مغرى بالبناء وتحسينه وتزويقه .

ثم ملك موريق عشرين سنة وأربعة أشهر ، وفي أيامه ظهر رجل من أهل مدينة [ ص: 303 ] حماة يعرف بمارون إليه تنسب المارونية من النصارى ، وأحدث رأيا يخالف من تقدمه ، وتبعه خلق كثير بالشام ، ثم إنهم انقرضوا ولم يعرف الآن منهم أحد .

وهذا موريق هو الذي قصده كسرى أبرويز حين انهزم من بهرام جوبين فزوجه ابنته وأمده بعساكره وأعاده إلى ملكه ، على ما نذكره إن شاء الله .

ثم ملك بعده فوقاس ، وكان من بطارقة موريق ، فوثب به فاغتاله فقتله وملك الروم بعده ، وكان ملكه ثماني سنين وأربعة أشهر ، ولما ملك تتبع ولد موريق وحاشيته بالقتل ، فلما بلغ ذلك أبرويز غضب وسير الجنود إلى الشام ومصر فاحتوى عليهما وقتلوا من النصارى خلقا كثيرا ، وسيرد ذلك عند ذكر أبرويز .

ثم ملك هرقل ، وكان سبب ملكه أن عساكر الفرس لما فتكت في الروم ساروا حتى نزلوا على خليج القسطنطينية وحصروها ، وكان هرقل يحمل الميرة في البحر إلى أهلها ، فحسن موقع ذلك من الروم وبانت شهامته وشجاعته وأحبه الروم فحملهم على الفتك بفوقاس ، وذكرهم سوء آثاره ، ففعلوا ذلك وقتلوه وملكوا عليهم هرقل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث