الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تناقضات وانحرافات في الأناجيل تشهد بالتحريف

وأما الإنجيل فهو أربعة أناجيل ، أخذت عن أربعة نفر ، اثنان منهم لم يريا المسيح أصلا ، واثنان رأياه واجتمعا به وهما متى ويوحنا ، وكل منهم يزيد وينقص [ ص: 427 ] ويخالف إنجيله لإنجيل أصحابه في أشياء ، وفيها ذكر القول ونقيضه . كما فيه أنه قال : إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة ، ولكن غيري يشهد لي .

وفي موضع آخر منه : ( إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئت وإلى أين أذهب ) . وفيه : أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال : ( قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول ؟ يا أبتاه سلمني من هذا الوقت ) .

وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما وقال : ( يا إلهي ! لم أسلمتني ) ، فكيف يجمع هذا مع قولكم : إنه هو الذي ( أسلم ) نفسه إلى اليهود ، ليصلبوه ويقتلوه رحمة منه بعباده ، حتى فداهم بنفسه من الخطايا ، وأخرج بذلك آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس ، وكيف يجزع إله العالم بذلك ؟ . وكيف يسأل السلامة منه ، وهو الذي اختاره ورضيه ؟ ! وكيف يشتد صياحه ويقول : ( يا إلهي ، لم أسلمتني ) وهو الذي أسلم نفسه ؟ ! وكيف لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه ، وإنزاله صاعقة على الصليب وأهله أم كان ربا عاجزا مقهورا مع اليهود ؟ !

وفيه أيضا أن اليهود سألته أن يظهر لهم برهانا أنه المسيح ، فقال : تهدمون هذا البيت [ ص: 428 ] - يعني بيت المقدس - وأبنيه لكم في ثلاثة أيام ، فقالوا له : بيت مبني في ست وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام .

ثم ذكرتم في الإنجيل أيضا : أنه لما ظفرت به اليهود وحمل إلى بلاط عامل قيصر واستدعيت عليه بينة أن شاهدي زور جاءا إليه وقالا : ( سمعناه يقول : أنا قادر على بناء بيت المقدس في ثلاثة أيام ) ( فكيف ) يدعي أن تلك معجزته ويدعي أن الشاهدين عليه بها شاهدا زور ؟ .

وفيه أيضا للوقا : أن المسيح قال لرجلين من تلامذته : اذهبا إلى الحصن الذي يقابلكما ، فإذا دخلتماه فستجدان ( فلوا ) مربوطا لم يركبه أحد فحلاه وأقبلا به إلي . قال : وفي إنجيل متى في هذه القصة أنها كانت حمارة متعبة .

وفيه أنه قال : ( ( لا تحسبوا أني قدمت لأصلح بين أهل الأرض ، لم آت لصلاحهم ، لكن لألقي المحاربة بينهم ، إنما قدمت لأفرق بين المرء وابنه ، والبنت وأمها ، حتى يصير أعداء المرء أهل بيته ) ) . ثم فيه أيضا : ( ( إنما قدمت لتحيوا وتزدادوا خيرا ، وأصلح بين الناس ) ) .

وأنه قال : ( ( من لطم خدك الأيمن فانصب له الأخرى ) ) .

وفيه أيضا أنه قال : [ ص: 429 ] طوبى لك يا شمعون ( رأس الجماعة ) ، وأنا أقول إنك الحجر ، وعلى هذا الحجر تبني بيعتي ، وكل ما أحللته في الأرض يكون محللا في السماء ، وما عقدته على الأرض يكون معقودا في السماء ، ثم فيه بعينه بعد أسطر يقول له : اذهب عني يا شيطان ولا تعارض ، فإنك جاهل ، فكيف يكون شيطان جاهل مطاع في السماوات . وفي الإنجيل نص أنه ، ( ( لم تلد النساء مثل يحيى ) )

هذا في إنجيل متى ، وفي إنجيل يوحنا أن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره ( من أنت ) أهو المسيح ؟ قال : لا ، قالوا : أتراك إلياس ؟ قال : لا ، قالوا : أنت النبي ؟ قال : لا ، قالوا : أخبرنا من أنت ؟ قال : أنا صوت مناد في المفاوز ، ولا يجوز لنبي أن ينكر نبوته فإنه يكون مخبرا بالكذب .

ومن العجب أن في إنجيل متى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف ، ثم إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبا ، ثم نسبه لوقا أيضا في إنجيله إلى يوسف ، وعد منه إلى إبراهيم نيفا وخمسين أبا . فبينا هو إله تام إذ صيروه ابن الإله ثم جعلوه ابن يوسف النجار .

والمقصود أن هذا الاضطراب في الإنجيل يشهد بأن التغيير وقع فيه قطعا ، ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله ، بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدل على أن ذلك الاختلاف من عند غير الله ، وأنت إذا اعتبرت نسخه ، ونسخ التوراة التي بأيدي اليهود والسامرة [ ص: 430 ] والنصارى رأيتها مختلفة اختلافا يقطع من وقف عليه أنه من جهة التغيير والتبديل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث