الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب العدة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 296 ] [ ص: 297 ] كتاب العدة .

قال ابن يونس : إذا سألك أن تهب له دينارا ، فقلت : نعم ، ثم بدا لك ، قال مالك : لا يلزمك ، ولو كان افتراق الغرماء على وعد وإشهاد لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير ، قال سحنون : الذي يلزم من العدة : اهدم دارك وأنا أسلفك ، أو اخرج إلى الحج ، أو اشتر سلعة كذا ، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك ; لأنك أدخلته بوعدك في ذلك ، أما مجردا لوعد فلا يلزم ، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق ، وقال أصبغ : إذا قال لك أريد أتزوج فأسلفني ، فقلت : نعم ، يقضى عليك ؛ تزوج أم لا ، وكذلك أعرني دابتك إلى موضع كذا لحاجة سماها ، أو أسلفني كذا لأشتري سلعة فقلت : نعم ، لزمك تسبب في ذلك أم لا ، وكذلك لو سألك في دين تعطيه لغرمائه فقلت : نعم ، قضى بذلك عمر بن عبد العزيز ، والذي لا يلزم أن يقول أسلفني كذا وأعرني كذا من غير ذكر سبب ، فإذا قلت نعم لا يلزمك ، وإذا وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك سواء قلت أؤخرك أو أخرتك ، وإذا أسلفته أخرته مدة تصلح لذلك ، وليس لك أن تأخذه منه في المجلس ، قال مالك : إذا قلت للمشتري بع ولا نقصان عليك لزمك ويصدق فيما يشبه مع يمينه إن كان ذلك بعد البيع ، فإن اشترطه في أصل العقد قال مالك : ليس بيعا فإن باع فله أجرته ; لأنها إجارة ، فإن أدرك قبل الفوت فسخ ، فإن فات المبيع فمصيبته من البائع ، وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه بالقيمة ، أو أحبلها فهي أم أم [ ص: 298 ] ولد ، ومضى البيع بالقيمة ; لأنها موضع خلاف فهو شبهة ، وقد قال عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره : موت العبد مصيبته من المبتاع ، قال ابن القاسم : إذا وطئها حبلت أم لا ، أو أعتقها ، أو وهب ، أو تصدق ، فهي عليه بالثمن ; لأن ذلك منه رضى بالثمن وهو القياس ؛ لأني إن جعلته أجيرا امتنع بيعه وهبته ، ولا تكون أم أم ولد ويحد ، وإن كان الشرط بعد عقد البيع فأبق العبد ، أو مات ، قال ابن القاسم : يوضع عن المشتري ، وقيل : لا ، أما ذهاب الثوب فلا يصدق فيه إلا ببينة ، ويحرم وطء المشتري إذا رضي بهذا الشرط ، قال ابن القاسم : إذا قال بعد العقد وقبل النقد بع ولا نقصان عليك وانقد امتنع ; لأنه قيمة عيوب وخصومات لا تقابل بالأعواض ، ويجوز بعد النقد ، فإن وجد الطعام مسوسا فسخطه فقلت بع ولا نقصان عليك فحمله في سفينته فغرقت فهو من البائع وللمشتري أجرته ، وقال أشهب : إذا كان كرما فخفت الوضيعة فقلت بع وأنا أرضيك إن باع برأس المال فأكثر فلا شيء له ، أو بنقصان فعليك أن ترضيه فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد ، وإن لم يكن شيئا أرضاه بما شاء وحلف ما أراد أكثر منه يوم قال ذلك ، وقال ابن وهب : يرضيه بما بينه وبين السلعة والوضيعة فيما يشبه الوضيعة في ثمن تلك السلعة ، قال صاحب البيان إذا قال أعرني دابتك إلى موضع كذا وسمى الحاجة يحكم عليه بالوفاء ، وكذلك وخرتك بالدين وأؤخرك به ، وكذلك قوله لك أن تسلفني كذا لأتزوج فلانة ، سمى أجلا للسلف أم لا ، قال ابن يونس : قال ابن القاسم متى أدخلته بوعدك في لازم لزمك الوفاء نحو زوج ابنتك من فلان والصداق علي ، أو احلف أنك ما شتمتني ولك كذا فحلف .

[ ص: 299 ] تمهيد : قال الله تعالى : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ، أو الوعد إذا أخلف قول لم يفعل ، وقال - عليه السلام - : " علامات المنافق إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف " ، فذكره في سياق الذم دليل التحريم ، ويروى قال - عليه السلام - : " وأي المؤمن واجب ؟ " ، وهذه الأدلة تقتضي وجوب الوفاء مطلقا ، وفي الموطأ قال رجل له أكذب لامرأتي ، فقال : لا خير في الكذب ، فقال يا رسول الله فأعدها وأقول لها ؟ ، فقال - عليه السلام - : " لا جناح عليك " ، فمنه الكذب المتعلق بالمستقبل ، فإن رضي النساء إنما يحصل به ، ونفي الجناح عن الوعد وهو يدل على أمرين ؛ أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا بجعله قسيم الكذب ، وثانيهما أن إخلاف الوعد لا حرج فيه ، ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب ، ولأن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعل فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه ، وفي أبي داود قال - عليه السلام - : " إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه " ، فهذه الأدلة تقتضي عدم وجوب الوفاء بالوعد مطلقا ، عكس الأدلة الأولى ، ووجه الجمع أن يحمل اللزوم على ما إذا أدخله في سبب ملزم بوعده ، كما قال سحنون وابن القاسم ، أو وعده مقرونا بذكر سبب كما قاله أصبغ ، لتأكد العزم على الدفع حينئذ ، ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك ، مع أنه قد قيل في الآية أنها نزلت في قوم كانوا يقولون : جاهدنا وما جاهدوا وفعلنا أنواعا من الخيرات وما فعلوها ، ولا شك [ ص: 300 ] أن هذا محرم ; لأنه كذب وتسميع بالطاعة وكلاهما معصية إجماعا ، وأما ذكر الإخلاف في صفة المنافق فمعناه أنها سجية ، ومقتضى حاله الإخلاف ، ومثل هذه السجية يحسن الذم بها ، فما تقول سجيته تقتضي المنع والبخل ، فمن كانت صفته تحث على الخير مدح بها ، أو تحثه على الذم ذم بها شرعا وعرفا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث