الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات

( الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات ) فأقول متى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط ملكت بالإجارة ، ومتى انخرم منها شرط لا تملك الأول [ ص: 4 ] الإباحة احترازا من الغناء ، وآلات الطرب ونحوهما . الثاني قبول المنفعة للمعاوضة احترازا من النكاح . الثالث كون المنفعة متقومة احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض ، واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب فمنعه ابن القاسم . الرابع أن تكون مملوكة احترازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس والخوانق . الخامس أن لا يتضمن استيفاء عين احترازا من إجارة الأشجار لثمارها أو الغنم لنتاجها ، واستثني من ذلك إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة . السادس أن يقدر على تسليمها احترازا من استئجار الأخرس للكلام . السابع أن تحصل للمستأجر احترازا من العبادات والإجارة عليها كالصوم ، ونحوه . الثامن كونها معلومة احترازا من المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها أو دارا مدة غير معلومة فهذه الشروط إذا اجتمعت جازت المعاوضة ، وإلا امتنعت .

( تنبيه ) قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات المنع ، وهو المشهور ، وقاله أبو حنيفة لأنها فتحت عنوة ، والجواز ، وقاله الشافعي لأنها عنده فتحت صلحا أو من بها على أهلها عندنا على هذه الرواية ، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة والكراهة لتعارض الأدلة وتخصيصها بالموسم لكثرة الناس واحتياجهم للوقف لأن العنوة عندنا وقف ، واتفق مالك والشافعي وغيرهما رضي الله عن الجميع { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان } ، وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا ، وإنما روي أن { خالد بن الوليد قتل قوما فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم } ، وهو دليل الصلح .

( وجوابه ) يجب أن يعتقد أنه أمن تلك الطائفة ، وعصم دماءهم جمعا بين الأدلة .

( سؤال ) اعلم أن مقتضى هذه المباحث والنقول أن يحرم كراء دور مصر وأراضيها لأن مالكا قد صرح في الكتاب وغيره أنها فتحت عنوة ، ويلزم على ذلك تخطئة القضاء في إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعات ونحو ذلك .

( جوابه ) إن أراضي العنوة اختلف العلماء فيها هل تصير وقفا بمجرد الاستيلاء ، وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك أو للإمام قسمتها كسائر الغنائم أو هو مخير في ذلك ، والقواعد المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به ، وارتفع الخلاف فإذا ما حكم بثبوت ملك في أرض العنوة ثبت الملك وارتفع الخلاف ، ويتعين ما حكم به الحاكم ، وهذا التقرير يطرد في مكة ومصر وغيرهما ، والقول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها [ ص: 5 ] الفتح أما إذا انهدمت تلك الأبنية ، وبنى أهل الإسلام دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا ، وحيث قال مالك لا تكرى دور مكة يريد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح ، واليوم قد ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطأ نعم يختص ذلك بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها باقية أو نقول قول مالك رحمه الله تعالى إن البلد الفلاني فتح عنوة ليس هذا بفتيا يقلد فيها ، ولا مذهبا له يجب على مقلديه اتباعه فيه بل هذه شهادة ، وكذا لو قال مالك فلان أخذ ماله غصبا أو خالع امرأته لم يكن ذلك فتيا بل شهادة ، والقاعدة أن كل إمام أخبر عن حكم بسبب اتبع فيه ، وكان فتيا ومذهبا أو أخبر عن وقوع ذلك السبب فهو شهادة ، وأن المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة أمور لا سادس لها الأحكام كوجوب الوتر ، والأسباب كالمعاطاة .

والشروط كالنية في الوضوء ، والموانع كالدين في الزكاة ، والحجاج كشهادة الصبيان والشاهد واليمين فهذه الخمسة إن اتفق على شيء منها فليس مذهبا لأحد بل ذلك للجميع فلا يقال إن وجوب رمضان مذهب مالك ولا غيره بل ذلك ثابت بالإجماع فإنه إنما يفهم من مذهب الإنسان في العادة ما اختص به كقولك هذا طريق زيد إذا اختص به أو هذه عادته إذا اختصت به ، وإذا اختلف في شيء من ذلك نسب إلى القائل به ، وما عدا هذه الخمسة لا يقال إنها مذهب يقلد فيه بل هو إما رواية أو شهادة أو غيرهما كما لو قال مالك أنا جائع أو عطشان فليس كل ما يقوله الإمام هو مذهب له بل تلك الخمسة خاصة ، ولو قال إمام زيد زنى لم نوجب الرجم بقوله بل نقول هذه شهادة هو فيها [ ص: 6 ] أسوة جميع العدول إن كمل النصاب بشروطه رجمناه ، وإلا فلا فكذلك قول مالك فتحت مصر عنوة أو مكة شهادة ، وإذا كانت شهادة فهو لم يباشر الفتح فيتعين أنه نقل هذه الشهادة عن غيره ، ولا يدري هل أذن له ذلك الغير في النقل عنه أم لا ، وإن سلمنا أنه أذن له فقد عارضت هذه البينة بينة أخرى .

وهي أن الليث وابن مسعود والشافعي وغيرهما قالوا الفتح وقع صلحا فهل يمكن أن يقال إن أحد البينتين أعدل فتقدم أو يقال هذا لا سبيل إليه ، والعلماء أجل من أن نفاوت نحن بين عدالتهم ، ولو سلمنا الهجوم عليهم في ذلك فالمذهب أنه لا يقضى بأعدل البينتين إلا في الأموال ، والعنوة والصلح ليسا من هذا الباب فلم قلتم إنه يقضى فيه بأعدل البينتين ، ولا يمكن أن يقال هذه الشهادة ليست نقلا عن أحد بل هي استقلال ، ومستندها السماع لأنا نمنع أن هذه المسألة مما تجوز فيه الشهادة بالسماع ، وقد عد الأصحاب مسائل السماع خمسة وعشرين مسألة ليست هذه منها ولو سلمنا أنها منها لكن حصل المعارض المانع من الحكم بهذه الشهادة ، وبهذا التقرير يظهر لك أن من أفتى بتحريم البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قول مالك إنها فتحت عنوة خطأ ، وأن هذا ليس مذهبا لمالك بل هي شهادة لا يقلد فيها بل تجري مجرى الشهادات ، وكما يرد هذا السؤال على المالكية في العنوة يرد على الشافعية في قول الشافعي إنها فتحت صلحا ، ويبنون على ذلك الفتيا بالإباحة ، ويجعلون هذا مما يقلد فيه ، وإنما هو شهادة أيضا بالصلح ، وليت شعري لو أن حاكما شافعيا جاءه الشافعي فقال له إن فلانا صالح امرأته على ألف دينار نقدا ، وقد صارت خلعا منه هل يقضي بقوله وحده فيخرق الإجماع أو نقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بالخلع فينبغي له أن يفعل هنا كذلك ، وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق [ ص: 7 ] بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام .

وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات إلى قوله نعم يختص ذلك بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها ثابتة )

قلت ما قاله في ذلك صحيح [ ص: 4 - 5 ] قال ( أو نقول قول مالك رحمه الله تعالى إن البلد الفلاني فتح عنوة هذا ليس بفتيا يقلد فيها إلى قوله أو أخبر عن وقوع ذلك السبب فهو شهادة )

قلت لا يتعين كونه شهادة بل يتعين أن يكون غير شهادة لأن الشهادة من شرطها أن تكون خبرا يقصد المخبر به أن يترتب عليه فصل قضاء ، وقول مالك إنها فتحت عنوة لا إشعار فيه بذلك القصد فهو نوع من الخبر غير الشهادة قال ( وإن المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة إلى قوله فليس كل ما يقوله الإمام هو مذهب له بل تلك الخمسة خاصة ) قلت ما قاله في ذلك صحيح .

قال ( ولو قال إمام زيد زنى لم نوجب الرجم بل نقول هذه شهادة هو فيها [ ص: 6 ] أسوة جميع العدول إلى آخر قوله أو نقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بالخلع فينبغي له أن يفعل هنا كذلك ) قلت ما قاله في ذلك كلام لا دليل عليه ، ولا حاجة إليه ، وما الحامل له على دعوى أن ذلك من مالك شهادة حتى يحتاج في ذلك إلى آخر معه هذا كلام مبني على توهم كون قول مالك شهادة ، وذلك لتوهم وهم لا شك فيه قال ( وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام [ ص: 7 ] وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع ) قلت إن كانت تلك المسائل من هذا النوع من كل وجه فليس ذلك الكتاب بنفيس .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات )

وهو أن المنفعة متى اجتمعت فيها ثمانية شروط ملكت بالإجارة ، ومتى انخرم منها شرط من الثمانية لا تملك والمنفعة قال ابن عرفة ما لا تمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه فتخرج الأعيان ، ونحو العلم والقدرة ونصف العبد ونصف الدابة مشاعا ، وهي ركن لأنها المشتراة ا هـ .

وباقي أركانها أربعة كما في شراح خليل المؤجر والمستأجر والعوض والصيغة .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الشرط الأول ) إباحة المنفعة ، وذكر المنفعة احتراز من الغناء وآلات الطرب ونحوهما أي كالإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل المربوط ، ونحو ذلك لعدم تحقيق المنفعة كما في الخرشي قال العدوي يفيد أنه لو تحقق المنفعة جاز فقد قال الأبي وأما ما يؤخذ على حل المعقود فإن كان يرقيه بالرقية العربية جاز ، وإن كان بالرقى العجمية لم يجز ، وفيه خلاف ، وكان الشيخ [ ص: 9 ] أي ابن عرفة يقول إن تكرر منه النفع جاز انتهى ا هـ وقال خليل في المختصر عاطفا على ما لا يجوز من الإجارة ، ولا تعليم غناء أو دخول حائض لمسجد أي لخدمته أو دار لتتخذ كنيسة كبيعها لذلك ا هـ .

قال عبق ، ومثل تعليم الغناء تعليم آلات الطرب كالعود والمزمار لأن ثبوت الملك على العوض فرع ثبوته على ملك المعوض ، ولخبر { أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه } ا هـ .

وقال العدوي على الخرشي قضية أن حكم الغناء المجرد عن مقتضى التحريم الكراهة أن تكون الإجارة على تعليم الغناء مكروهة لا حراما ا هـ .

وقال الحفيد في البداية أجمعوا على إبطال كل منفعة كانت لشيء محرم العين ، وكذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع مثل أجر النوائح ، وأجر المغنيات ا هـ .

أي ، ومثل الاستئجار على صنعة آنية من نقد كما في شراح المختصر .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الشرط الثاني ) قبول المنفعة للمعاوضة احترازا من النكاح كذا في الأصل ، وسلمه ابن الشاط ، ولا يظهر إلا إذا أراد نكاح المتعة ففي بداية الحفيد المجتهد ابن رشد أكثر الصحابة ، وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها لأن الأخبار تواترت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر ، وفي بعضها يوم الفتح ، وفي بعضها في غزوة تبوك ، وفي بعضها في حجة الوداع ، وفي بعضها في عمرة القضاء وفي بعضها عام أوطاس ا هـ محل الحاجة منه بتصرف .

وأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب للنزو ففي البداية أيضا أجاز مالك أن يكري الرجل فحله على أن ينزو أكواما معلومة ، ولم يجز ذلك أبو حنيفة ، ولا الشافعي ، وحجة من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل ، ومن أجازه شبهه بسائر المنافع ، وهذا ضعيف لأنه تغليب القياس على السماع ا هـ المحتاج منه .

وأما الإجارة فيما حكى الله تعالى عن نبيه شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } فإنها وإن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، ولم يرد هنا ناسخ إلا أنها إجارة عين أجلها ، وسمى عوضها ، وهو عقده على إحدى ابنتيه ، وكثير من المفسرين أنها الصغرى التي أرسلها في طلبه ، وقيل الكبرى ، ولا يرد عدم تبعيض البضع إذ لا يلزم تبعيض العوض فلذا زاد ابن عرفة لفظة بعضه في تعريف الإجارة بقوله بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعضها ا هـ .

ونمنع كون الانتفاع بالبضع ليس متمولا بدليل أن من غصب امرأة ووطئها يلزمه مهرها كما في الخرشي والعدوي عليه فتأمل بإمعان .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الشرط الثالث ) كون المنفعة متقومة احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض أي بالمال في نظر الشرع كاستئجار نار ليوقد منها سراجا ، وقد نص ابن يونس أن من قال ارق هذا الجبل ولك كذا أنه لا شيء له كما في الحطاب قال وقد اختلف في فروع نظرا إلى أن المنفعة هل هي متقومة أم لا كالمصحف والأشجار للتجفيف كما في البناني على عبق قال الخرشي يجوز استئجار المصحف لمن يقرأ فيه لجواز بيعه خلافا لابن حبيب في منعه إجارته ا هـ .

قال العدوي عليه أي لأن إجارته كأنها ثمن القرآن بخلاف بيعه فإنه ثمن للورق ، والخط فابن حبيب يوافق على جواز بيعه ، ويخالف في إجارته فقد بيعت المصاحف في أيام عثمان رضي الله عنه فلم ينكر أحد من الصحابة ذلك فكان إجماعا ا هـ .

وفي الأصل واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب فمنعه ابن القاسم ا هـ أي ، وأجزأه ابن عبد السلام نظرا إلى أن الانتفاع به على هذا الوجه مما يتأثر الشجر به ، وينقص منفعة كثيرة منه فهي منفعة تتقوم كما في عبق ، وفي الخرشي قال في التوضيح ، والخلاف فيها خلاف في حال هل هذه منفعة متقومة أم لا ا هـ .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الشرط الرابع ) أو تكون أي المنفعة مملوكة احترازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس والخوانق ، وكذا كل بلاد فتحها المسلمون عنوة ، وقد وقع الخلاف في مكة فذهب الشافعي إلا أنها فتحت صلحا محتجا بما روي { أن خالد بن الوليد قتل قوما فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم } ، وهو دليل الصلح ، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة محتجين باتفاق الأئمة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان ، وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا قالوا ويجب أن يعتقد أن { النبي صلى الله عليه وسلم إنما ودى الطائفة الذين قتلهم خالد بن الوليد } لكونه صلى الله عليه وسلم أمنهم وعصم دماءهم جميعا بين الأدلة ، وكان مقتضى اتفاق المالكية على أن مكة فتحت عنوة أن لا يقولوا بجواز كراء دورها لا سيما ، ومشهور مذهب مالك أن أرض العنوة تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها سواء كانت أرض زراعة أو أرض دور كما في تحفة المريد السالك للبناني المكي لكن قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات عن مالك .

( الأولى ) المنع وهو المشهور قال الشيخ محمد البناني المكي في رسالته تحفة المريد السالك ، وإليه ذهب جماعة من أهل المذهب ، وهو سماع ابن القاسم عن مالك ا هـ .

وقاله أبو حنيفة

( والثانية ) الجواز قال الشيخ محمد البناني المكي أيضا ، وفي مقدمات ابن رشد أن الظاهر من مذهب ابن القاسم إجازة ذلك [ ص: 11 ] وهو مروي عن مالك أيضا كما في تبصرة اللخمي ثم قال ، وهو أشهر الروايات ، وهو المعتمد الذي به الفتوى ، وعليه جرى العمل من أئمة الفتوى والقضاة بمكة المشرفة قال ، وبه قال عمرو بن دينار وطاوس والشافعي وأحمد وأبو يوسف وابن المنذر كما في شرح العيني على البخاري ا هـ .

( والثالثة ) الكراهة قال البناني المكي في تحفة المريد السالك ومن أهل المذهب من ذهب إلى كراهة بيع دور مكة وكرائها ، وهو مروي عن مالك أيضا ثم قال فيها أيضا قال في الموازنة ، وقد سمعت أن مالكا ا يكره كراء بيوت مكة ثم قال فإن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز ، وإن قصد فيه البقعة فلا خير فيه ا هـ .

قال الحطاب ، وظاهره أن الكراهة على بابها أي للتنزيه ا هـ .

( والرابعة ) تخصيصها أي الكراهة بالموسم لكثرة الناس ، واحتياجهم للوقف قال البناني المكي أيضا قال ابن رشد في المقدمات ، وحكى الداودي عنه أي عن مالك أنه كره كراءها في أيام الموسم خاصة انتهى ، وهكذا حكاه اللخمي عنه أيضا ا هـ .

وذلك لأمرين ( الأمر الأول ) أنهم استثنوا في مشهورهم المذكور مكة نظرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد من بها على أهلها بأنفسهم وأموالهم فلا يقاس عليها غيرها فتكون أرض مكة ودورها ملكا لأهلها قال السهيلي في شرح البردة إنها فتحت عنوة غير أنه صلى الله عليه وسلم من على أهلها أنفسهم وأموالهم ، ولا يقاس عليها غيرها فأرضها إذا ودورها لأهلها ، ولكن أوجب الله عليهم التوسيع على الحجاج إذا قدموها فلا يأخذوا منهم كراء في مساكنها فهذا حكمها فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا ، وإن كانت ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة انتهى كما في تحفة المريد للبناني المكي

( الأمر الثاني ) قال الأصل ، ومثله لسند في الذخيرة كما في تحفة المريد السالك للبناني المكي اختلف العلماء في أرض العنوة هل تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها ، وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك أو للإمام قسمها كسائر الغنائم أو هو مخير في ذلك ، والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به ، وارتفع الخلاف ، وتعين ما حكم به الحاكم ، وبهذا يجاب أيضا عما قيل إن مقتضى أن أرض العنوة لا تملك أنه يحرم كراء دور مصر وأراضيها فإن مالكا رحمه الله صرح في الكتاب أي في كتاب المدونة ، وغيره بأنها فتحت عنوة ، ويلزم على ذلك تخطئة القضاة في إثبات الأملاك ، وعقود الإجارات ، والأخذ بالشفعاء ، ونحو ذلك فيها ، وكذا في كل ما قيل إنها فتحت عنوة كمكة زاد الأصل على أن القول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح [ ص: 12 ] أما إذا انهدمت تلك الأبنية ، وبنى أهل الإسلام دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا ، وحيث قال مالك لا تكرى دور مكة مثلا يريد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح ، واليوم قد ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطأ نعم يختص ذلك أي تخطئة القضاء بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها باقية ثابتة ا هـ .

كلام الأصل قال ابن الشاط ما قاله في ذلك أي هذا الجواب صحيح ، وأما جوابه عن الإيراد المذكور بأنا لا نسلم أنه يلزم على قول مالك أنها فتحت عنوة تخطئة القضاة فيما ذكر إلا إذا سلمنا أن قوله ذلك فتيا يقلد فيها ، ومذهب له يجب على مقلده اتباعه فيه ، ونحن لا نقول إلا أن قوله ذلك شهادة منه رحمه الله بمنزلة قوله فلان أخذ ماله غصبا ، وخالع امرأته ، وذلك أن المذهب الذي يقلد فيه الإمام مشروط بشرطين

( الأول ) أن يكون أحد خمسة أمور لا سادس لها ( أحدها ) الأحكام كوجوب الوتر ( وثانيها ) الأسباب كالمعاطاة ( وثالثها ) الشروط كالنية في الوضوء ( ورابعها ) الموانع كالدين في الزكاة ( وخامسها ) الحجاج كشهادة الصبيان ( والثاني ) أن يختص بالقول بأحد هذه الخمسة ، ويخالفه غيره فيه إذ لا يفهم من مذهب الإنسان في العادة إلا ما اختص به كقولك هذه طريق زيد إذا اختص به أو هذه عادته إذا اختصت به أما إذا انتفى الاختصاص بأن اتفق الجميع على شيء منها فإنه لا يكون مذهبا لأحد فلا يقال إن وجوب رمضان مذهب مالك ، ولا غيره بل ذلك ثابت بالإجماع .

وأما ما عدا هذه الخمسة فلا يقال إنها مذهب يقلد فيه بل هو إما رواية أو شهادة أو غيرهما بل هو بمنزلة قول إمام زيد زنى فكما لا نوجب الرجم بذلك بل نقول هذه شهادة هو فيها أسوة جميع العدول إن كمل النصاب بشروطه رجمناه ، وإلا فلا كذلك قول مالك فتحت مصر أو مكة عنوة شهادة ، وإذا كانت شهادة ، وهو لم يباشر الفتح تعين أحد أمرين

( الأول ) أن يقال إنه نقل هذه الشهادة عن غيره ، وحينئذ لا يدرى هل أذن له ذلك الغير في النقل عنه أم لا ، وإن سلمنا أنه أذن له فقد عارضت هذه البينة بينة أخرى ، وهي أن الليث بن سعد والشافعي وغيرهما قالوا الفتح وقع صلحا فهل يمكن أن يقال إن أحد البينتين أعدل فتقدم أو يقال هذا لا سبيل إليه إذ العلماء أجل من أن نفاوت نحن بين عدالتهم ، ولو سلمنا الهجوم عليهم في ذلك فالمذهب أنه لا يقضى بأعدل البينتين إلا في الأموال ، وليس العنوة ، والصلح من هذا الباب فلم قلتم إنه يقضى فيه بأعدل البينتين

( والأمر الثاني ) أن يقال إنه لم ينقل هذه الشهادة عن أحد بل هي استقلال ، وحينئذ لا يتأتى أن يقال مستندها [ ص: 13 ] السماع لأن الأصحاب عدوا المسائل التي تجوز فيها الشهادة بالسماع خمسا وعشرين ليست هذه منها وسلمنا أنها منها لكن حصل المعارض المانع من الحكم بهذه الشهادة ، وإذا ثبت بهذا أن قوله رحمه الله إنها فتحت عنوة شهادة لا مذهب له حتى يقلد فيه فتجري مجرى الشهادات ظهر تخطئة من أفتى بتحريم البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قوله فيها ذلك ، وكذلك يظهر تخطئة من يفتي من الشافعية بإباحة البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قول الشافعي إنها فتحت صلحا ، ويجعلون هذا مما يقلد فيه ، وإنما هو شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بذلك ألا ترى أن الشافعي رحمه الله لو جاء حاكما شافعيا فقال له إن فلانا صالح امرأته على ألف دينار نقدا ، وقد صارت خلعا منه هل يقضي بقوله وحده فيخرق الإجماع أو يقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بالخلع فكما يقول في مثل هذا ذلك ينبغي أن يقوله هنا كذلك ، وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام ، وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع ا هـ .

بتصرف فقد تعقبه ابن الشاط بما ملخصه أن قول مالك إنها فتحت عنوة لا يتعين كونه شهادة إذ من شرط الشهادة أن تكون خبرا يقصد المخبر به أن يترتب عليه فصل قضاء ، ولا إشعار في قول مالك المذكور بذلك القصد فتعين أن يكون نوعا من الخبر غير الشهادة فما بسطه في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام من المسائل إن كانت من نوع ما قاله هنا مما لا دليل عليه ، ولا حاجة إليه فليس ذلك الكتاب بنفيس ا هـ .

قلت وفي الحواشي الشربيني على محلى جمع الجوامع أن خبر الواحد مع القرائن المنفصلة يفيد العلم الضروري كالمتواتر إلا أن حصوله في المتواتر بواسطة ما لا ينفك التعريف عنه عادة من القرائن المتصلة فكأنه من نفس الخبر بخلاف الواحد المذكور فحصوله فيه بواسطة القرائن المنفصلة ا هـ .

ولا شك أن قول مالك أن مكة فتحت عنوة كذلك لما تقدم من أن مالكا والشافعي وغيرهما قد اتفقوا على { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان } ، وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا على أن في جمع الجوامع أن خبر الواحد بدون تلك القرائن يجب العمل به إجماعا في سائر الأمور الدينية سمعا ا هـ .

قال المحلي أي لا عقلا بشرطه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الآحاد إلى القبائل والنواحي لتبليغ الأحكام كما هو معروف فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة ا هـ .

قال العطار عن زكريا ، وشروطه عدالة وسمع [ ص: 14 ] وبصر وغيره مما هو معروف في محله ا هـ .

فتعين الجواب الأول عن الإيراد المذكور فتأمل بدقة وسبب الخلاف في كراء دور مكة أمران ( الأول ) ما مر من الخلاف في أنها فتحت عنوة أو صلحا ، وعلى الأول فهل ينظر إلى أنه قد من على أهلها بأنفسهم وأموالهم مطلقا أم لا مطلقا أم ينظر إليه في غير أيام الموسم . ( والأمر الثاني ) تعارض الأدلة

قال الشيخ محمد البناني المكي في رسالته تحفة المريد السالك فاستدل القائل بالمنع بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد } قالوا المراد بالمسجد الحرام مكة لما روى ابن حاتم ، وغيره عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد أن المسجد الحرام في هذه الآية الحرم كله ، وقد وصفه الله تعالى بقوله { الذي جعلناه للناس سواء } أي المؤمنين جميعا ثم قال { سواء العاكف فيه والباد } أي سواء المقيم في الحرم ، ومن دخل مكة من غير أهلها أو المقيم فيه ، والغريب سواء فدلت هذه الآية على منع بيع دور مكة وإجارتها لأن الله عز وجل جعلها للناس سواء فلا يختص أحد بملك فيها دون أحد قال القسطلاني على البخاري في قوله تعالى { والمسجد الحرام } ما نصه وأوله أبو حنيفة بمكة ، واستشهد له بقوله تعالى { الذي جعلناه للناس سواء } على عدم جواز بيع دورها وإجارتها ثم قال في موضع آخر ، وذهب ابن عباس وابن جبير وقتادة ، وغيرهم إلى أن التسوية بين البادي والعاكف في منازل مكة ، وهو مذهب أبي حنيفة .

وقال محمد بن الحسن فليس المقيم بها أحق بالمنزل من القادم عليها انتهى ، وقال العيني في شرحه على البخاري ، وممن ذهب إلى عدم جواز بيع دور مكة وإجارتها أبو حنيفة ومحمد والثوري وعطاء بن أبي رباح ومجاهد ومالك وإسحاق انتهى ( وأما السنة ) فأحاديث منها ما أخرجه الطحاوي عن علقمة بن فضلة الكناني قال كانت الدور على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما تباع ولا تكرى ، ولا تدعى إلا السواد لم تبع رباعها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أبي بكر ، ولا عمر فمن احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن ( ومنها ) ما أخرجه الطحاوي من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا يحل بيع بيوت مكة ، ولا إجارتها } ( ومنها ) ما رواه عبد الرزاق عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء ( ومنها ) ما رواه الطحاوي عن عبيد الله عن نافع عن [ ص: 15 ] ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحجاج ( ومنها ) ما أخرجه الطحاوي أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال من أكل كراء بيوت أهل مكة فإنما يأكل نارا في بطنه ، واستدل القائل بالجواز بما أخرجه البخاري ، ومسلم في صحيحيهما ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه { عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال يا رسول الله أين تنزل غدا في دارك بمكة فقال هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور } ، وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب لم يرثه جعفر ، ولا علي شيئا ، وكان عقيل وطالب كافرين فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرث المؤمن الكافر قال الفاكهي هذه الدار كانت لهاشم بن عبد مناف ثم صارت لابنه عبد المطلب فقسمها بين ولده فمن ثم صار للنبي صلى الله عليه وسلم حق أبيه عبد الله ، وفيها ولد النبي صلى الله عليه وسلم ا هـ .

قال القسطلاني ، وظاهر قوله وهل ترك لنا عقيل من رباع أنها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه ثم قال وكان قد استولى عليها طالب وعقيل على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما ، وباعتبار ترك النبي صلى الله عليه وسلم لحقه منها بالهجرة ، وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها .

وقال العيني كان أبو طالب أكبر ولد عبد المطلب احتوى على أملاكه وحده على عادة الجاهلية من تقديم الأسن فتسلط عليها عقيل بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فباعها ، وقال الداودي باع عقيل ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولمن هاجر من بني عبد المطلب كما كانوا يفعلون بدور من هاجر من المؤمنين ، وإنما أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرفات عقيل إما كرما وجودا ، وإما استمالة لعقيل ، وإما تصحيحا لتصرفات الجاهلية كما أنه يصح أنكحة الكفار ا هـ .

حكى الفاكهي أن هذه الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار ا هـ .

كما في العيني والقسطلاني ، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها دل ذلك على جواز بيعها قال الخطابي احتج بهذا الحديث على جواز بيع دور مكة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها ، وكان عقيل وطالب ورثا أباهما لأنهما إذ ذاك كانا كافرين فورثاها ثم أسلم عقيل فباعها ا هـ .

وأما ما استدل به على المنع فقد أجابوا عنه فأما عن حديث عبد الله بن عمرو المار فهو لأنه يقاوم حديث أسامة هذا في صحته لأن في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، وضعفه يحيى ، والنسائي ، والأصل في باب المعارضة التساوي ، ولئن [ ص: 16 ] سلمنا المساواة على تقدير فرض صحة حديث عبد الله بن عمرو فلا يكتفى بها بل يكشف عن وجه ذلك من طريق النظر فوجدنا أن ما يقضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله بن عمرو ، وذاك أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناء ، ولا يحجر موضعا منها ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز أن ينبني فيه بناء ، وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارا لحديث { عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ألا تتخذ لك بمنى بيتا أو بناء يظلك ، قال : لا يا عائشة إنها مناخ لمن سبق } فقال أخرجه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، والطحاوي ، ووجدنا مكة على خلاف ذلك لأنه قد أجيز فيها البناء ، وأيضا فإن { النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم دخل مكة في غزوة الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن } فأثبت لأبي سفيان ملك داره .

وأثبت لهم أملاكهم على دورهم حيث أضافا إليهم فهذا يدل على أن مكة مما يبنى فيها الدور ، ومما يغلق عليها الأبواب فإذا كان كذلك تكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك ، وتقع فيها المواريث فحينئذ يجوز بيع الدور التي فيها ، وتجوز إجارتها قال ابن قدامة أضاف النبي صلى الله عليه وسلم الدار لأبي سفيان إضافة ملك بقوله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم دور بمكة دار لأبي بكر ، وللزبير بن العوام ، وحكيم بن حزام ، وغيرهم مما يكثر تعدادهم فبعض بيع ، وبعض في يد أعقابهم إلى اليوم ، وإن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم ، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة إحداهما بستين ألف درهم ، والأخرى بأربعين ألف درهم ، وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعا ، ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأراضي ا هـ .

كما في العيني قال الحطاب في حاشيته على منسك خليل قال القاضي تقي الدين الفاسي ، والقول بمنع ذلك فيه نظر لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلفائهم عملوا بخلافه في أوقات مختلفة ثم ذكر وقائع من ذلك عن عمر ، وعثمان ، وابن الزبير ، ومعاوية رضي الله عنهم قال الحطاب ، وعلى القول بجواز البيع والكراء اقتصر ابن الحاج فإنه قال في مناسكه : واختلف أهل العلم في كراء بيوت مكة وبيعها فذكر الخلاف بين العلماء ثم قال ، وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع [ ص: 17 ] مكة ، وكراء منازلها منهم طاوس وعمرو بن دينار ، وهو قول مالك والشافعي ثم ذكر حجج كل قول ، وقال والدليل على صحة قول مالك ، ومن قال بقوله قول الله عز وجل { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } وقوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح { من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن } فأثبت لأبي سفيان ملك داره ، وأثبت لهم أملاكهم على دورهم .

وقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع { هل ترك لنا عقيل منزلا } يدل على أنها ملك لأربابها ، وأن عمر ابتاع دارا بأربعة آلاف درهم ، وأن دور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأيدي أعقابهم منهم أبو بكر والزبير بن العوام وحكيم بن حزام وعمرو بن العاص وغيرهم ، وقد بيع بعضها ، وتصدق ببعضها ، ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا في أملاكهم ، وهم أعلم بالله ورسوله ممن بعدهم ا هـ .

( وأما ) عن قوله تعالى { والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس } الآية فهو أن المراد بالمسجد المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة قال ابن خزيمة إذ لو كان المسجد الحرام واقعا على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ، ولا التغوط ، ولا البول ، ولا إلقاء الجيف والنتن ، ولا دخول الجنب والحائض الحرم ، والجماع فيه ، ولا نعلم عالما منع من ذلك ، ولا كره لجنب وحائض دخول الحرم ولا الجماع فيه ، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة ، وحوانيتها ، ولا يقول بذلك أحد كما في القسطلاني

( وأما ) عن حديث علقمة بن فضلة الكناني الذي أخرجه الطحاوي والبيهقي فهو أنه منقطع لأن علقمة ليس بصحابي ، والمنقطع لا تقوم به حجة كما قامت بحديث أسامة المسند الصحيح

( وأما ) عن حديث عبد الله بن عمر فهو أنه موقوف على ابن عمر ، والموقوف لا يقاوم حديث أسامة المرفوع

( وأما ) عما رواه عبد الرزاق عن منصور عن مجاهد والطحاوي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو أن المراد منهما كراهة الكراء رفقا بالوفود ، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء والإجارة فيها ألا ترى أن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية داره بأربعة آلاف درهم كما تقدم فلو كان بيع دور مكة حراما لما اشتراها منه فدل شراؤه رضي الله عنه على الجواز ا هـ .

كلام الشيخ محمد البناني المكي في تحفة المريد بتصرف وزيادة ما

( تنبيه ) في المدونة قال مالك أكره البنيان الذي أحدثه الناس بمنى قال سند ، وجملة ذلك أن منى لا ملك لأحد فيها ، وليس لأحد أن يحجر فيها موضعا يحوزه له إلا أن ينزل منها منزلا فيختص به [ ص: 18 ] حتى يفرغ من منسكه ويخرج منها ، والأصل في ذلك ما روته { عائشة رضي الله عنها قالت قلنا يا رسول الله ألا تبني لك موضعا يظلك بمنى قال لا منى مناخ لمن سبق } خرجه الترمذي والنسائي ، وهذا يمنع أن يحجر أحد فيها بنيانا إلا أن يكون نازلا بالبنيان الذي بها ثم وإن كان بها كره له أيضا قال مالك في الموازية لأنه تضييق على الناس ، وكره إجارة البنيان الذي بها ، والله أعلم أفاده البناني المكي في تحفة المريد .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الشرط الخامس ) أن لا يتضمن استيفاء عين احترازا عن إجارة الأشجار لثمارها والغنم لنتاجها قاله الأصل ، وسلمه ابن الشاط ، ومثله في مختصر خليل إلا أنه زاد قيد قصد حيث قال بلا استيفاء عين قصد فقال بهرام احترز به من إجارة الثياب ونحوها فإن بعضها ، وإن ذهب بالاستعمال لكن بحكم التبع ، ولم يقصد بخلاف الثمرة والشاة ، والحاصل أن محط الفائدة قوله قصد ، وذلك لأن في الإجارة استيفاء عين لكن لا قصدا أفاده العدوي على الخرشي .

وقال تبعا لعبق لا يخفى أن إطلاق الإجارة عليهما أي على الأشجار والغنم لما ذكر مجاز لأنه ليس فيهما بيع منفعة ، وإنما فيهما بيع ذات كما علم من كلامه فلا يحتاج لذكرهما في محترز هذا الشرط نعم يصح جعلهما محترزه إن استأجر الشجر لأمرين التجفيف عليها ، وأخذ ثمرتها والشاة للانتفاع بها في شيء يجوز الانتفاع بها فيه ، ولأخذ لبنها ا هـ .

وسلمه محشوا عبق قال الأصل ، واستثني من ذلك أي من منع ما يتضمن استيفاء عين إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة ا هـ .

قال الخرشي ولنص القرآن سواء كانت أجرة الظئر نقدا أو طعاما ، ولا يكون من باب بيع الطعام بالطعام إلى أجل للعلة السابقة ، ولو كان الرضيع محرم الأكل أي كجحش صغير أو مهر صغير أو غيرهما فيجوز أن تكرى له حمارة ترضعه للضرورة ا هـ .

قال العدوي عليه فالولد الصغير إذا لم يجد امرأة ترضعه يرضع على الحمار قاله شيخنا عبد الله ا هـ .

( الشرط السادس ) أن يقدر على تسليمها احترازا من استئجار الأخرس للكلام ، والأعمى للخط قال الخرشي من شروط المنفعة التي تحصل للمستأجر أن يكون مقدورا على تسليمها للمستأجر حسا فلا تجوز إجارة الأعمى للخط ، والأخرس للكلام ، وشرعا فلا تجوز الإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل المربوط ، ونحو ذلك لعدم تحقق المنفعة ، ولا على تعليم الغناء ودخول الحائض المسجد ا هـ . وكتب العدوي على قوله وشرعا ما نصه قد يقال يستغنى عن ذلك بقول المصنف ، ولا حظر كما في عبق ا هـ .

( الشرط [ ص: 19 ] السابع ) أن تحصل للمستأجر احترازا من العبادات كالصوم ونحوه أي مما لا يقبل النيابة سواء كان واجبا عينا كصلاة الفرض أو كفائيا كصلاة الجنازة أو كان سنة كصلاة الوتر أو رغيبة كركعتي الفجر أو نفلا كأربع قبل الظهر ، وبعده .

وقبل العصر قال البناني وأما الصلاة والصوم من سائر المندوبات كقراءة القرآن وسائر الأذكار فتجوز الإجارة عليها قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب بعد ذكر قول ابن عبد السلام ، ولا يلزم من تعين العبادة وجوبها لأن أكثر مندوبات الصلاة أي والصوم متعينة كصلاة الفجر والوتر وصيام عاشوراء وعرفة فهذه يمنع الاستئجار عليها ، وإن لم تكن واجبة على المكلف ، ومعنى تعينها على المكلف أنه لا يصح وقوعها من غير من خوطب بها فلو أجيز الاستئجار عليها لأدى ذلك إلى أكل المال بالباطل ا هـ .

قالوا هذا حكم الصلاة والصوم الواجب من ذلك والمندوب ، وأما قراءة القرآن فالإجارة عليها مبنية على وصول ثواب القراءة للميت ثم استدل على أن الراجح وصول ذلك له بكلام ابن رشد ، وغيره انظر مصطفى الرماصي ا هـ .

كلام البناني قال وقد نص ابن عبد السلام ، وغيره على منع الاستئجار على صلاة الجنازة قال ابن فرحون فإن قلت صلاة الجنازة عبادة لا يتعين فعلها على أحد ، ولا يجوز الاستئجار عليها قلت لما كانت عبادة من جنس الصلاة المتميزة بصورتها للعبادة والصلاة لا تفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليها .

وأما الغسل فيكون للعبادة والنظافة وغير ذلك ، وكذا الحمل للميت شاركه في الصورة أشياء كثيرة فلم يتمحض بصورته للعبادة في جميع أنواعه بخلاف صلاة الجنازة فألحقت بما أشبهته ا هـ .

انظر مصطفى الرماصي . ا هـ .

قال العدوي على الخرشي ، وكذلك الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر لا يمكن الاستئجار فيه كما أفاده في حاشية اللقاني ا هـ .

أي لأن كلا منهما لما لم يفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليه ، وفي بداية الحفيد واتفقوا على إبطال كل منفعة كانت فرض عين على الإنسان بالشرع مثل الصلاة ، وغيرها ، واختلفوا في إجارة المؤذن على الأذان فقوم لم يروا فيه بأسا ، وقوم كرهوا ذلك محتجين بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اتخذوا مؤذنا لا يتخذ على أذانه أجرا } والمبيحون قاسوه على الأفعال غير الواجبة ، وهذا هو سبب الاختلاف في أنه هل هو واجب أم ليس بواجب ، واختلفوا أيضا في الاستئجار على تعليم القرآن فأجازه قوم محتجين بما روي عن { خارجة بن الصامت عن عمه قال أقبلنا من عند رسول الله [ ص: 20 ] صلى الله عليه وسلم فأتينا على حي من أحياء العرب فقالوا إنكم جئتم من عند هذا الحبر فهل عندكم دواء أو رقية فإن عندنا معتوها في القيود فقلنا لهم نعم فجاءوا به فجعلت أقرأ عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل عليه فكأنما نشط من عقال فأعطوني جعلا فقلت : لا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال كل لعمري من أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق } ، وبما روي عن أبي سعيد الخدري { أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في غزاة فمروا بحي من أحياء العرب فقالوا هل عندكم من راق فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له قال فرقى رجل بفاتحة الكتاب فبرئ فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بم رقيته قال بفاتحة الكتاب قال وما يدريك أنها رقية قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم } . وكرهوه أي حرمه قوم آخرون قائلين هو من باب الجعل على تعليم الصلاة قالوا ولم يكن الجعل المذكور في الإجارة على تعليم القرآن ، وإنما كان على الرقي والاستئجار ، والرقي عندنا جائز سواء كان بالقرآن أو غيره لأنه كالعلاجات ، وليس واجبا على الناس ، وأما تعليم القرآن فهو واجب على الناس ا هـ بتصرف فافهم .

( الشرط الثامن ) كونها معلومة احترازا من المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها أو دارا لمدة غير معلومة ، وذلك أن شرط الإجارة التي هي عقد من العقود أن تكون صادرة من عاقد كالعاقد الصادر منه البيع ، وأن تكون بأجر كالأجر الذي مراد به العوض الذي هو الثمن ، وأما المثمن ، وهو المنافع فلما كان من شأنها أن تكون وقت العقد معدومة كان في العقد عليها غرر وبيع لما لم يخلق حتى حكي عن الأصم وابن علية منع الإجارة لذلك إلا أن جميع فقهاء الأمصار والصدر الأول قالوا بجوازها نظرا إلى أنها ، وإن كانت معدومة لكنها مستوفاة في الغالب ، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في الغالب أو يكون استيفاؤه ، وعدم استيفائه على السواء ، ولا يتحقق ما يستوفى إلا بتعينه ، واستدلوا على جوازها من الكتاب بقوله تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وقوله تعالى { إني أريد أن أنكحك } الآية ، ومن السنة الثابتة ما خرجه البخاري عن عائشة قالت { استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا ، وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما ، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما } ، وحديث { جابر أنه باع من النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا ، وشرط ظهره إلى المدينة } ، وما جاز استيفاؤه [ ص: 21 ] بالشرط جاز استيفاؤه بالأجر كما في بداية الحفيد ، والله أعلم .

( تنبيه ) ما تقدم عن الأصل من أن الأصحاب عدوا المسائل التي تجوز فيها الشهادة بالسماع خمسا وعشرين هو بحسب ما عنده وحضره ، وإلا فهي تزيد على ذلك وفي حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك أنهى بعضهم مسائل ما تجوز فيه شهادة السماع لاثنتين وثلاثين مسألة ، وقد جمعت في أبيات ، ونصها :

أيا سائلي عما ينفذ حكمه ويثبت سمعا دون علم بأصله     ففي العزل والتجريح والكفر بعده
وفي سفه أو ضد ذلك كله     وفي البيع والأحباس والصدقات
والرضاع وخلع النكاح وحله     وفي قسمة أو نسبة وولاية
وموت وحمل والمضر بأهله     ومنها الهبات والوصية فاعلمن
وملك قديم قد يضن بمثله     ومنها ولادات ومنها حرابة
ومنها الإباق فليضم لشكله     وقد زيد فيها الأسر والفقد والملا
ولوث وعتق فاظفرن بنقله     فصارت لدي عد ثلاثين اتبعت
بسنتين فاطلب نصها في محله

ا هـ .

وفي شرح التاودي على نظم ابن عاصم جملة ما ذكره الناظم من مسائل ما تجوز فيه شهادة السماع تسعة عشر ، وعدها ابن العربي إحدى وعشرين فقال أيا سائلي إلى آخر البيت الرابع ، وزاد ولده ستة فقال منها الهبات إلى قوله فليضم لشكله :

فدونكها عشرين من بعد سبعة     تدل على حفظ الفقيه ونبله
أبي نظم العشرين من بعد واحد     فأتبعتها ستا تماما لفعله

، وزاد ابن عبد السلام خمسة ، ونظمها بعضهم فقال وقد زيد فيها إلى قوله فاطلب نصها في محله ، ونظمها أيضا العبدوسي ، وذيله ابن غازي بما زاده عليه إلى أن قال في آخره :

لولا التداخل بعد ذي في الزائد     لبلغت عشرين دون واحد

ا هـ

بإصلاح البيت الأخير ، والله سبحانه وتعالى أعلم . [ ص: 22 ]



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث