الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5 ] كتاب الوصايا

وفيه مقدمتان وقسمان :

المقدمة الأولى في اشتقاقها ولفظها قال الجوهري : أوصيت له : إذا جعلته وصيك وأوصيت له بشيء ، والاسم الوصاية بكسر الواو وفتحها ، والوصاة أيضا ووصيت وأوصيت بمعنى واحد ، ووصيت الشيء بالشيء بتخفيف الياء أصيه إذا أوصيته به ، وأرض واصية أي متصلة النبات .

قال صاحب القبس : الوصية قول يلقيه أحدكما لبر آخر ليعمل به ، وهو مخصوص بالغائب والميت لتنفيذ مقاصدهما بالوصية .

وقال غيره : الوصية من وصيت الشيء بالشيء كما تقدم ، كأن الموصي وصل ما بعد الموت بما قبله في نفوذ التصرف .

المقدمة الثانية في مشروعيتها ، قال الله تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) الآية ، وقال تعالى : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) .

فتقديمها على الميراث يدل على وجوب تنفيذها وصحتها .

واختلف في الأولى فقيل : المراد من لا يرث من الأقربين كالعبيد والكفار ، أو مسلم غير مستحق ولم تنسخ ، وقيل : منسوخة ( في الوالدين دون [ ص: 6 ] الأقارب ، وقيل : منسوخة ) في الجميع بآية المواريث ، ورجح الطبري وغيره الأول ؛ لأن عدم النسخ أولى مهما أمكن ، قال صاحب المقدمات : والمشهور : النسخ ، قاله مالك بآية المواريث لكونها بعدها ، وروي أن الناس كانوا يتوارثون بالوصية حتى نزلت آية المواريث ، وهذا لا يعلم إلا توقيفا ؛ إذ ليس في آية المواريث ما يقتضي النسخ لإمكان الجمع بين الفرض والوصية ، ويمكن التمسك في النسخ بقوله عليه السلام : ( إن الله قد فرض لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) فنافى بين الوصية والفرض . وقيل : الناسخ قوله عليه السلام : ( لا وصية لوارث ) على مذهب من يجيز نسخ القرآن بالسنة ، وقاله مالك أيضا ، وقال علي وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم : المراد بالخير المال الكثير الذي لا ضرر على الورثة فيه ، وأما السنة : قال صاحب القبس : أحاديثهما كثيرة وأصولها أربعة ، الأول : ما في مسلم : ( قيل لعبد الله بن أبي أوفى : هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قلت : فكيف كتب الوصية أو أمر بالوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله .

الثاني : فيه ، وفي الموطأ : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة ) زاد مسلم : أو ثلاث .

قال صاحب الاستذكار : ويروى : ( لا ينبغي لأحد عنده مال يوصي فيه تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته عنده ) . والجمهور على عدم الوجوب إلا أن يكون عنده وديعة ، أو عليه دين ، وقاله ( ش ) وأوجبها أهل [ ص: 7 ] الظاهر ؛ لأن الحق ( هو الحق ) هو الثابت ، فصرح عليه السلام أنه لا يثبت للمسلم إلا الوصية ، ( والنفي ) كالنهي ، والنهي للتحريم ، وإذا حرم الترك وجب الفعل ، ويدل على عدم الوجوب قوله تعالى في آية الوصية ( بالمعروف حقا على المتقين ) . والمعروف يختص بالمندوب ، والواجب لا يختص بالمتقين ، ولكونه لم يوص ، ويرد عليه أن جميع تركته عليه السلام صدقة ، فهو يكفي في الوصية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث