الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يوجب القضاء والكفارة

جزء التالي صفحة
السابق

فصل إذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلا كان أو دبرا ، فعليه القضاء والكفارة عامدا كان أو ساهيا وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر ، وهل يلزمها مع عدمه ؛ على روايتين

التالي السابق


فصل ( وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلا كان أو دبرا ، فعليه القضاء ، والكفارة عامدا كان أو ساهيا ) وفيه أمور :

الأولى : أن الجماع في نهار رمضان بلا عذر مفسد له لقوله - تعالى - فالآن باشروهن الآية ، فدلت أن الصيام المأمور بإتمامه ترك الوطء والأكل ، فإذا وجد فيه الجماع ، لم يتم فيكون باطلا ، والمكره كالمختار في ظاهر المذهب ، وشرطه أن يكون بذكر أصلي في فرج أصلي ، قبلا كان أو دبرا ، من ذكر أو أنثى ، حر أو ميت ، أنزل أو لا ; لأنه في مظنة الإنزال ; أو لأنه باطن كالدبر فلو أولج خنثى مشكل ذكره في قبل خنثى مشكل أو قبل امرأة ، أو أولج رجل ذكره في قبل خنثى مشكل ، لم يفسد صوم واحد منهما إلا أن ينزل كالغسل ، وكذا إذا أنزل مجبوب أو امرأتان بمساحقة

[ ص: 31 ] الثانية : أنه يجب عليه القضاء عن كل يوم مثله في قول أكثر العلماء لقوله - عليه السلام - للمجامع : وصم يوما مكانه رواه أبو داود و الأثرم ، وكما لو أفسده بالأكل .

الثالثة : عليه الكفارة ، لحديث الأعرابي ، وقال النخعي وغيره : لا كفارة عليه ; لأنها عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها ، فلم تجب بإفساد أدائها كالصلاة .

وجوابه بأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به ، والقضاء محله الذمة ، والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلافه هنا .

الرابعة : الساهي كالعامد في وجوب ذلك ، نقله الجماعة ، وهو اختيار أكثر الأصحاب ; لأنه - عليه السلام - لم يستفصل الأعرابي بين أن يكون ساهيا أو عامدا ، ولو اختلف الحكم لاستفصله ، وبذلك استدل أحمد ، ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، والسؤال معاد في الجواب كأنه قال : إذا واقعت في صوم رمضان ، فكفر ، ولأنه عبادة يحرم الوطء فيها فاستوى عمده ، وسهوه كالحج .

( وعنه : لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان ) اختاره ابن بطة للخبر في العفو عن ذلك ، ولأن الكفارة لرفع الإثم ، وهي منحطة عنهما ، وعنه : ولا يقضي ، اختاره الآجري ، وأبو محمد الجوزي ، والشيخ تقي الدين ، وحكاه في شرح مسلم قول جمهور العلماء كالأكل .

تنبيه : إذا جامع يعتقده ليلا ، فبان نهارا فجزم الأكثر بوجوب القضاء ، وعنه : عكسه ، اختاره الشيخ تقي الدين . ويأتي رواية ابن القاسم ، واختار الأصحاب أنه يكفر . قال المجد : وإنه قياس من أوجبها على الناسي ، وأولى ، والثانية : لا يكفر ، وقالها أكثر العلماء ، وعليها إن علم في الجماع أنه نهار ، ودام عالما [ ص: 32 ] بالتحريم ، لزمته الكفارة ، فلو جامع ليلا وطلع عليه الفجر ، وهو مجامع ، واستدام فعليه القضاء والكفارة ، وإن نزع في الحال مع أول طلوعه ، وكذلك اختاره ابن حامد والقاضي ;لأن النزع جماع يلتذ به كالجماع ، واختار أبو حفص عكسه ، وقال ابن أبي موسى : يقضي قولا واحدا ، وفي الكفارة خلاف .

( ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر ) كالإكراه ، والنسيان ; لأنها معذورة ، ولعموم ما سبق . وذكر القاضي وغيره أنها إذا جامعت ناسية أن حكمها حكم الرجل ، وعنه : أنها تكفر ، وخرجها القاضي من الحج ، وعنه : يرجع بها على الزوج ; لأنه الملجئ لها إلى ذلك ، وعلم منه أنه يفسد صومها ، ويجب عليها القضاء . قال في " الشرح " : بغير خلاف نعلمه من المذهب ; لأنه نوع من المفطرات ، فاستوى فيه الرجل والمرأة ، كالأكل ، نص عليه في المكرهة ، وعنه : لا ، وقيل : يفسد إن فعلت إلا المقهورة والنائمة ، وأفسد ابن أبي موسى صوم غير النائمة لحصول مقصود الوطء لها قال في " الفروع " : ويتخرج أن لا يفسد صومها مع النسيان وإن فسد صومه ، وكذا الجاهلة ونحوها .

( وهل يلزمها مع عدمه ؛ على روايتين ) كذا في " المحرر " إحداهما : يلزمها الكفارة اختارها أبو بكر ، وقدمها في " الفروع " وهي أصح ; لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع ، فلزمتها الكفارة كالرجل ، والثانية : لا ، وجزم بها في " الوجيز " لأن الشارع لم يأمرها بها ، وكفطرها بتغييب بعض الحشفة بعد سبق جماعها المعتبر ، وأجيب بأن في لفظ الدارقطني : هلكت وأهلكت فيدل على أنها كانت مكرهة ، وبأن ذلك البعض ليس له حكم الباطن والخوف ، وعنه : كفارة واحدة . خرجها أبو الخطاب من الحج ، وضعفه جماعة بأن الأصل عدم التداخل . فلو كانت من أهل العتق ، وهو من أهل الإطعام ، وقلنا بالتحمل خير بينهما ، وقيل : يطعم عن نفسه ، ويبقى العتق في ذمته حتى يقدر عليه فيعتق عنها .

[ ص: 33 ] فرع : إذا أكرهها على الوطء فيه ، دفعته بالأسهل فالأسهل ، ولو أفضى إلى نفسه كالمار بين يدي المصلي . ذكره ابن عقيل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث