الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب زكاة الزروع والثمار

جزء التالي صفحة
السابق

( باب زكاة الزروع والثمار ) [ ص: 242 ] ( قال أبو حنيفة رحمه الله : في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر ، سواء سقي سيحا أو سقته السماء ، إلا الحطب والقصب والحشيش . وقالا : لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق ، والوسق ستون صاعا بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وليس في الخضراوات عندهما عشر ) فالخلاف في موضعين : في اشتراط النصاب ، وفي اشتراط البقاء . لهما في الأول قوله عليه الصلاة والسلام { ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } [ ص: 243 ] ولأنه صدقة فيشترط فيه النصاب ليتحقق الغنى .

ولأبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام { ما أخرجت الأرض ففيه العشر من غير فصل } وتأويل ما روياه زكاة التجارة ; لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق وقيمة الوسق أربعون درهما ، ولا معتبر بالمالك فيه فكيف بصفته وهو المعنى ولهذا لا يشترط الحول ; لأنه للاستنماء وهو كله نماء . ولهما في الثاني قوله عليه الصلاة والسلام { ليس في الخضراوات صدقة } والزكاة غير منفية فتعين [ ص: 244 ] العشر وله ما روينا ، ومرويهما محمول على صدقة يأخذها العاشر ، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله فيه ; لأن الأرض قد تستنمى بما لا يبقى والسبب هي الأرض النامية [ ص: 245 ] ولهذا يجب فيها الخراج أما الحطب والقصب والحشيش فلا تستنبت في الجنان عادة بل تنقى عنها حتى لو اتخذها مقصبة أو مشجرة أو منبتا للحشيش يجب فيها العشر ، والمراد بالمذكور القصب الفارسي أما قصب السكر وقصب الذريرة ففيهما العشر ; لأنه يقصد بهما استغلال الأرض ، بخلاف السعف والتبن ; لأن المقصود الحب والتمر دونهما

التالي السابق


( باب زكاة الزروع والثمار ) قيل تسميته زكاة على قولهما لاشتراطهما النصاب والبقاء بخلاف قوله : وليس بشيء إذ لا شك في أن المأخوذ عشرا أو نصفه زكاة حتى يصرف مصارف الزكاة ، وغاية ما في الباب أنهم اختلفوا في إثبات بعض شروط لبعض [ ص: 242 ] أنواع الزكاة ونفيها ، وهذا لا يخرجه عن كونه زكاة ( قوله : إلا الحطب والقصب والحشيش ) ظاهره كون ما سوى ما استثني داخلا في الوجوب ، وسينص على إخراج السعف والتبن إلا أن يقال : يمكن إدراجهما في مسمى الحشيش على ما فيه .

وأما ما ذكروا من إخراج الطرفاء والدلب وشجر القطن والباذنجان فيدرج في الحطب ، لكن بقي ما صرحوا به من أنه لا شيء في الأدوية كالهليلج والكندر ، ولا يجب فيما يخرج من الأشجار كالصمغ والقطران ، ولا فيما هو تابع للأرض كالنخل والأشجار لأنها كالأرض ولذا تستتبعها الأرض في البيع ، ولا في كل بزر لا يطلب بالزراعة كبزر البطيخ والقثاء لكونها غير مقصودة في نفسها ، ويجب في العصفر والكتان وبزره لأن كلا منهما مقصود ، وعدم الوجوب في بعض هذه مما لا يرد على الإطلاق بأدنى تأمل

( قوله إلا فيما له ثمرة باقية ) وهي ما تبقى سنة بلا علاج غالبا ، بخلاف ما يحتاج إليه كالعنب في بلادهم والبطيخ الصيفي في ديارنا ، وعلاجه الحاجة إلى تقليبه وتعليق العنب ( قوله والوسق ستون صاعا بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وكل صاع أربعة أمناء ، فخمسة أوسق ألف ومائتا من . قال الحلواني : هذا قول أهل الكوفة . وقال أهل البصرة : الوسق ثلاثمائة من ، وكون الوسق ستين صاعا مصرح به في رواية ابن ماجه لحديث الأوساق ، كما سنذكره ، ولو كان الخارج نوعين كل أقل من خمسة أوسق لا يضم ، وفي نوع واحد يضم الصنفان كالجيد والرديء ، والنوع الواحد هو ما لا يجوز بيعه بالآخر متفاضلا ( قوله وليس في الخضراوات ) كالرياحين والأوراد والبقول والخيار والقثاء والبطيخ والباذنجان وأشباه ذلك ، وعنده يجب في كل ذلك

( قوله لهما في الأول قوله عليه الصلاة والسلام { ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } ) رواه البخاري في حديث طويل ومسلم ولفظه { ليس في حب ولا تمر صدقة حتى [ ص: 243 ] تبلغ خمسة أوسق } ثم أعاده من طريق آخر وقال في آخره : غير أنه قال بدل التمر ثمر يعني بالمثلثة فعلم أن الأول بالمثناة ، وزاد أبو داود فيه : والوسق ستون مختوما ، وابن ماجه . والوسق ستون صاعا ( قوله ولأبي حنيفة رحمه الله عليه الصلاة والسلام { ما أخرجت الأرض ففيه العشر } ) أخرج البخاري عنه عليه الصلاة والسلام { فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر } ، وروى مسلم عنه عليه الصلاة والسلام { فيما سقت الأنهار والغيم العشر ، وفيما سقي بالسانية نصف العشر } وفيه من الآثار أيضا ما أخرج عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن عمر بن عبد العزيز قال : فيما أنبتت من قليل وكثير العشر ، وأخرج نحوه عن مجاهد وعن إبراهيم النخعي ، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعن النخعي ، وزاد في حديث النخعي : حتى في كل عشر دستجات بقل أستجة . والحاصل أنه تعارض عام وخاص ، فمن يقدم الخاص مطلقا كالشافعي قال بموجب حديث الأوساق ، ومن يقدم العام أو يقول يتعارضان ويطلب الترجيح إن لم يعرف التاريخ وإن عرف فالمتأخر ناسخ ، وإن كان العام كقولنا يجب أن يقول بموجب هذا العام هنا لأنه لما تعارض مع حديث الأوساق في الإيجاب فيما دون خمسة الأوسق كان الإيجاب أولى للاحتياط ، فمن تم له المطلوب في نفس الأصل الخلافي تم له هنا ، ولولا خشية الخروج عن الغرض لأظهرنا صحته أي إظهار مستعينا بالله تعالى ، وإذا كان كذلك فهذا البحث يتم على الصاحبين لالتزامهما الأصل المذكور ، وما ذكره المصنف من حمل مرويهما على زكاة التجارة طريقة الجمع بين الحديثين . قيل ولفظ الصدقة يشعر به ، فإن المعروف في الواجب فيما أخرجت اسما العشر لا الصدقة بخلاف الزكاة

( قوله ولهما في الثاني قوله عليه الصلاة والسلام ) روى [ ص: 244 ] نفي العشر في الخضراوات بألفاظ متعددة سوقها يطول في الترمذي من حديث معاذ ، وقال : إسناده ليس بصحيح وليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء . وروى الحاكم هذا المعنى أيضا وصححه ، وغلط بأن إسحاق بن يحيى تركه أحمد والنسائي وغيرهما .

وقال أبو زرعة : موسى بن طلحة وهو الراوي عن معاذ مرسل عن عمر ، ومعاذ توفي في خلافة عمر ، فرواية موسى عنه مرسلة . وما قيل : إن موسى هذا ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وسماه لم يثبت . والمشهور في هذا ما روى سفيان الثوري عن عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة قال : عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر } وأحسن ما فيها حديث مرسل رواه الدارقطني عن موسى بن طلحة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يؤخذ من الخضراوات صدقة } والمرسل حجة عندنا لكن يجيء فيه ما تقدم من تقديم من العام عند المعارضة ، وما ذكره المصنف من أن المنفي أن يأخذ منها العاشر إذا مر بها عليه ، ويشير إليه لفظ هذا المرسل . إذ قال نهى أن يؤخذ ، وهو لا يستلزم نفي وجوب أن يدفع المالك للفقراء . والمعقول من هذا النهي أنه لما فيه من تفويت المصلحة على الفقير ; لأن الفقراء ليسوا مقيمين عند العاشر ولا بقاء للخضروات فتفسد قبل الدفع إليهم ; ولذا قلنا : لو أخذ منها العاشر ليصرفه إلى عمالته كان له ذلك

( قوله والسبب هي الأرض النامية ) أي بالخارج تحقيقا في حق العشر ، ولذا لا يجوز تعجيل العشر لأنه حينئذ قبل السبب ، فإذا أخرجت أقل من خمسة أوسق لو لم نوجب شيئا لكان إخلاء للسبب عن الحكم ، وحقيقة الاستدلال إنما هو بالعام السابق ; لأن السببية لا تثبت إلا بدليل الجعل ، والمفيد لسببيتها كذلك هو ذلك ، وإلا فالحديث الخاص أفاد أن السبب الأرض النامية بإخراج خمسة أوسق فصاعدا مطلقا فلا يصح هذا مستقلا بل هو فرع العام المفيد سببيتها مطلقا . واعلم أن ما ذكرنا من منع تعجيل العشر فيه خلاف أبي يوسف ، فإنه أجازه بعد الزرع قبل النبات وقبل طلوع الثمرة في الشجر ، هكذا حكى مذهبه في [ ص: 245 ] الكافي . وفي المنظومة خص خلافه بثمر الأشجار بناء على ثبوت السبب نظرا إلى أن بنمو الأشجار يثبت نماء الأرض تحقيقا فيثبت السبب ، بخلاف الزرع فإنه ما لم يظهر لم يتحقق نماء الأرض ، ثم إذا ظهر فأدى يجوز اتفاقا وهل يكون تعجيلا ينبني على وقت الوجوب متى هو ، فعند أبي حنيفة عند ظهور الثمرة فلا يكون تعجيلا ، وعند أبي يوسف وقت الإدراك ، وعند محمد عند تصفيته وحصوله في الحظيرة فيكون تعجيلا . وثمرة هذا الخلاف تظهر في وجوب الضمان بالإتلاف . قال الإمام : يجب عليه عشر ما أكل أو أطعم ، ومحمد يحتسب به في تكميل الأوسق : يعني إذا بلغ المأكول مع ما بقي خمسة أوسق يجب العشر في الباقي لا في التألف .

وأما أبو يوسف فلا يعتبر الذاهب بل يعتبر في الباقي خمسة أوسق إلا أن يأخذ المالك من المتلف ضمان ما أتلفه فيخرج عشره وعشر ما بقي ( قوله ولهذا يجب فيها الخراج ) أي لكونها السبب ، إلا أن سببيتها تختلف بالنسبة إلى العشر والخراج ، ففي الخراج بالنماء التقديري فلذا يجب ويؤخذ بمجرد التمكن من الزراعة وإن لم يزرع وفي العشر بالتحقيقي كما قدمنا ( قوله وقصب الذريرة ) نوع من القصب في مضغه حرافة ومسحوقه عطر ( قوله بخلاف السعف والتبن ) وإنما [ ص: 246 ] لم يجب في التبن لأنه غير مقصود بزراعة الحب غير أنه قصله قبل انعقاد الحب وجب العشر فيه لأنه صار هو المقصود ، ولا حاجة إلى أن يقال كان العشر فيه قبل الانعقاد ثم تحول عند الانعقاد . وعن محمد في التبن إذا يبس فيه العشر



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث