الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ترجمة مروان بن الحكم جد خلفاء بني أمية الذين كانوا بعده

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 706 ]

وهذه ترجمة مروان بن الحكم جد خلفاء بني أمية الذين كانوا بعده

هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، أبو عبد الملك ، ويقال : أبو الحكم . ويقال : أبو القاسم . وهو صحابي عند طائفة كثيرة ; لأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه في حديث صلح الحديبية ، وفي رواية في " صحيح البخاري " ، عن مروان والمسور بن مخرمة ، الحديث بطوله . وروى عن عمر ، وعثمان ، وكان كاتبه ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وبسرة بنت صفوان الأسدية ، وكانت حماته . وقال الحاكم أبو أحمد : كانت خالته . ولا منافاة بين كونها حماته وخالته . وروى عنه ابنه عبد الملك ، وسهل بن سعد ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلي بن الحسين زين العابدين ، ومجاهد وغيرهم .

قال الواقدي ومحمد بن سعد : أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يحفظ عنه شيئا ، وكان عمره ثماني سنين حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم . وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين . وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها .

[ ص: 707 ] روى ابن عساكر وغيره أن عمر بن الخطاب خطب امرأة إلى أمها ، فقال : إن جريرا البجلي يخطب إليكم أسلم ، وهو سيد شباب المشرق ، ومروان بن الحكم ، وهو سيد شباب قريش ، وعبد الله بن عمر ، وهو من قد علمتم ، وعمر . فقالت المرأة : أجاد يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قالت : قد زوجناك يا أمير المؤمنين .

وقد كان عثمان بن عفان يكرمه ويعظمه ، وكان كاتب الحكم بين يديه ، ومن تحت رأسه جرت قضية الدار ، وبسببه حصر عثمان فيها ، وألح عليه أولئك أن يسلمه إليهم ، فامتنع عثمان أشد الامتناع ، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالا شديدا ، وقتل بعض أولئك الخوارج ، وكان على الميسرة يوم الجمل ، ويقال : إنه رمى طلحة بسهم في ركبته ، فقتله . فالله أعلم .

وقال ابن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : كان علي يوم الجمل حين انهزم الناس يكثر السؤال عن مروان ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنه تعطفني عليه رحم ماسة ، وهو سيد من شباب قريش .

وقال ابن المبارك ، عن جرير بن حازم ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، أنه قال لمعاوية : من ترى لهذا الأمر من بعدك ؟ فقال : وأما القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، الشديد في حدود الله ، [ ص: 708 ] فمروان بن الحكم . وقد استنابه على المدينة غير مرة ، يعزله ثم يعيده إليها ، وأقام للناس الحج في سنين متعددة .

وقال حنبل عن الإمام أحمد قال : يقال : إنه كان عند مروان قضاء ، وكان يتبع قضاء عمر بن الخطاب .

وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول وذكر مروان يوما ، فقال : قال مروان : قرأت كتاب الله منذ أربعين سنة ، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هراقة الدماء وهذا الشأن .

وقال إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد وغيره قال : كان مروان إذا ذكر الإسلام قال :


بنعمة ربي لا بما قدمت يدي ولا ببراتي إنني كنت خاطئا

وقال الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سالم أبي النضر ، أنه قال : شهد مروان جنازة ، فلما صلى عليها انصرف ، فقال أبو هريرة : أصاب قيراطا وحرم قيراطا . فأخبر بذلك مروان ، فأقبل يجري قد بدت ركبتاه ، فقعد [ ص: 709 ] حتى أذن له .

وروى المدائني عن إبراهيم بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، أن مروان كان أسلف علي بن الحسين حين رجع إلى المدينة بعد مقتل أبيه ستة آلاف دينار ، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئا ، فبعث إليه عبد الملك بذلك ، فامتنع من قبولها ، فألح عليه فقبلها .

وقال الشافعي : أنبأنا حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها ، ويعتدان بها .

وقد روى عبد الرزاق عن الثوري ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان ، فقال له رجل : خالفت السنة . فقال له مروان : إنه قد ترك ما هنالك . فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " .

قالوا : ولما كان نائبا بالمدينة كان إذا وقعت معضلة جمع من عنده من الصحابة ، فاستشارهم فيها . قالوا : وهو الذي جمع الصيعان ، فأخذ بأعدلها ، فنسب إليه الصاع ، فقيل : صاع مروان .

[ ص: 710 ] وقال الزبير بن بكار : حدثنا إبراهيم بن حمزة ، حدثني علي بن أبي علي اللهبي ، عن إسماعيل بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه قال : خرج أبو هريرة من عند مروان ، فلقيه قوم قد خرجوا من عنده فقالوا : إنه أشهدنا الآن على مائة رقبة أعتقها الساعة . قال : فغمز أبو هريرة يدي ، وقال : يا أبا سعيد ، يك من كسب طيب خير من مائة رقبة . قال الزبير : اليك : الواحد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا بلغ بنو أبي فلان ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ، ودين الله دخلا ، وعباد الله خولا " .

ورواه أبو يعلى ، عن زكريا بن يحيى زحمويه ، عن صالح بن عمر ، عن مطرف ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا دين الله دخلا ، وعباد الله خولا ، ومال الله دولا " . وقد رواه الطبراني ، عن أحمد بن عبد الوهاب ، عن أبي المغيرة ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن راشد بن سعد ، عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا " . وذكره ، وهذا منقطع . ورواه العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة من قوله : " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا " فذكره .

[ ص: 711 ] ورواه البيهقي وغيره من حديث ابن لهيعة ، عن أبي قبيل ، عن ابن موهب ، عن معاوية وعبد الله بن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال الله بينهم دولا ، وعباد الله خولا ، وكتاب الله دغلا ، فإذا بلغوا ستة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة " . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عبد الملك بن مروان فقال : " أبو الجبابرة الأربعة " . وهذه الطرق كلها ضعيفة .

وروى أبو يعلى وغيره ، من غير وجه عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بني الحكم ينزون على منبره ويرقون ، فأصبح كالمتغيظ ، وقال : " رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة " . فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات . ورواه الثوري ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وفيه : فأوحي إليه : إنما هي دنيا أعطوها . فقرت عينه . وهي قوله : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [ الإسراء : 60 ] . يعني بلاء للناس وهذا مرسل ، وسنده إلى سعيد ضعيف . وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة ، فلهذا أضربنا صفحا عن إيرادها لعدم صحتها .

وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أسلم يوم الفتح ، [ ص: 712 ] وقدم الحكم المدينة ثم طرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، ومات بها ، ومروان كان أكبر الأسباب في حصار عثمان ، لأنه زور على لسانه كتابا إلى مصر بقتل أولئك الوفد ، ولما كان متوليا على المدينة لمعاوية كان يسب عليا كل جمعة على المنبر ، وقال له الحسن بن علي : لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيه ، فقال : " لعن الله الحكم وما ولد " والله أعلم .

وقد تقدم أن حسان بن مالك بن بحدل لما قدم عليه مروان أرض الجابية ، أعجبه إتيانه إليه ، فبايعه ، وبايع له أهل الأردن على أنه إذا انتظم له الأمر نزل عن الإمرة لخالد بن يزيد ، ويكون لمروان إمرة حمص ، ولعمرو بن سعيد نيابة دمشق .

وكانت البيعة لمروان يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وستين . قاله الليث بن سعد وغيره .

وقال الليث : وكانت وقعة مرج راهط في ذي الحجة ، من هذه السنة بعد عيد النحر بيومين .

قالوا : فغلب الضحاك بن قيس ، واستوسق له ملك الشام ومصر ، فلما [ ص: 713 ] استقر ملكه في هذه البلاد بايع من بعده لولده عبد الملك ، ثم من بعده لولده عبد العزيز - والد عمر بن عبد العزيز - وترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية ; لأنه كان لا يراه أهلا للخلافة ، ووافقه على ذلك حسان بن مالك ، وإن كان خالا لخالد بن يزيد ، وهو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك ، ثم إن أم خالد دبرت أمر مروان فسمته ، ويقال : بل وضعت على وجهه وهو نائم وسادة ، فمات مخنوقا ، ثم إنها أعلنت الصراخ هي وجواريها وصحن : مات أمير المؤمنين فجأة . فقام من بعده ولده عبد الملك بن مروان في الخلافة ، كما سنذكره .

وقال عبد الله بن أبي مذعور : حدثني بعض أهل العلم قال : كان آخر ما تكلم به مروان : وجبت الجنة لمن خاف النار . وكان نقش خاتمه : العزة لله .

وقال الأصمعي : حدثنا عدي بن أبي عمارة ، عن أبيه ، عن حرب بن زياد قال : كان نقش خاتم مروان بن الحكم آمنت بالعزيز الرحيم .

وكانت وفاته بدمشق عن إحدى - وقيل : ثلاث - وستين سنة .

وقال أبو معشر وغير واحد : كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة .

وقال خليفة : حدثني الوليد بن هشام ، عن أبيه ، عن جده قال : مات [ ص: 714 ] مروان بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين ، وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه ابنه عبد الملك ، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوما . وقال غيره : عشرة أشهر .

وقال ابن أبي الدنيا وغيره : كان قصيرا ، أحمر الوجه ، أوقص ، دقيق العنق ، كبير الرأس واللحية ، وكان يلقب : خيط باطل .

قال الحافظ ابن عساكر : وذكر سعيد بن كثير بن عفير ، أن مروان مات حين انصرف من مصر بالصنبرة ، ويقال : بلد . وقد قيل : إنه مات بدمشق ، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث