الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة معنى قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم

المسألة السابعة : قوله تعالى : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم }

عام في كل صيد كان ، مأكولا أو غير مأكول ، سبعا أو غير سبع ، ضاريا أو غير ضار ، صائلا أو ساكنا ; بيد أن العلماء اختلفوا في خروج السباع عنه وتخصيصه منها ; فقال علماؤنا : يجوز للمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالمضرة كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب العقور وما في معناها ، ومن الطير كالغراب والحدأة ; ولا جزاء عليه فيه .

وقال أبو حنيفة بقولنا في الكلب العقور والذئب والغراب والحدأة ، وخالفنا في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع ، فأوجب على المحرم الجزاء بقتلها .

وقال الشافعي : كل ما لا يؤكل لحمه فلا جزاء فيه إلا السمع وهو المتولد بين الذئب والضبع . [ ص: 176 ] ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : " { خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح } . وفي رواية : { يقتلن في الحل والحرم : الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور } . وفي رواية : { الحية والكلب العقور } خرجه الأئمة بأجمعهم . وفيه { الغراب الأبقع } خرجه مسلم ، وفيه : { السبع العادي } خرجه أبو داود والترمذي ، وهذا تنبيه على العلة وعلى الأجناس .

أما العلة فهي الفسق بالإذاية ، وأما الأجناس فنبه بكل مذكور على نوع من الجنس وذكر الكلب العقور ، وذلك مما يدخل تحته بعلة العقر الفهد والسبع ، ولا سيما بالنص عليه من طريق السجزي والترمذي .

والعجب من أبي حنيفة في أن يحمل التراب على البر بعلة الكيل ، ولا يحمل السباع العادية على الكلب العقور بعلة الفسق والعقر . [ ص: 177 ] وأما الشافعي فإذا قلنا بأن لحمها لا يؤكل فهي معقورة لا جزاء فيها ; لأن ما لا يؤكل لحمه لا جزاء فيه كالخنزير .

وأما إن قلنا : إنها تؤكل ففيها الجزاء لأنها صيد مأكول . وسيأتي القول في أكلها في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى . وتعلق أبو حنيفة بأنه صيد تتناوله الآية بالنهي والجزاء بعد ارتكاب النهي ; والدليل على أنه صيد أنه يقصد لأجل جلده ، والجلد مقصود في المالية ، كما أن اللحم مقصود في الأكل . قلنا : لا تسمي العرب صيدا إلا ما يؤكل لحمه .

فإن قيل : بل كانت الحيوانات كلها عند العرب صيدا . فإنها كانت تأكل كل ما دب ودرج ، ثم جاء الشرع بالتحريم ، فغير الشرع الأحكام دون الأسماء . قلنا : هذا جهل عظيم ، إن الصيد لا يعرف إلا فيما يؤكل . وقولهم : إن الشرع غير الأحكام دون الأسماء باطل ; لأن الأحكام تابعة للأسماء . وقد روى ابن أبي عمار أنه قال لجابر بن عبد الله . الضبع أصيد هي ؟ قال : نعم . قال : فيها جزاء ; قال : نعم ، كبش . وهذا يدل على أنه سأله عن جواز أكلها ، وبعد ذلك سأله عن جزائها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث