الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يكره صومه من الأيام

جزء التالي صفحة
السابق

ويكره إفراد رجب بالصوم ، وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ، ويوم النيروز والمهرجان إلا أن يوافق عادة ولا يجوز صوم يومي العيدين عن فرض ولا تطوع ، وإن قصد صيامهما كان عاصيا ولم يجزئه عن فرض ، ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعا وفي صومها عن فرض روايتان .

التالي السابق


( ويكره إفراد رجب بالصوم ) لما روى ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صيامه ، وفيه داود بن عطاء ، وقد ضعفه أحمد وغيره ، ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه ، ولهذا صح عن عمر أنه كان يضرب فيه ، ويقول : كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية ، فلو أفطر منه أو صام معه غيره زالت الكراهة . وظاهره أنه لا يكره إفراد شهر غيره اتفاقا ; لأنه - عليه السلام - كان يصوم شعبان ورمضان ، والمراد أحيانا ، ولم يداوم كاملا على غير رمضان فدل أنه لا يستحب صوم رجب ، وشعبان في قول الأكثر ، واستحبه في " الإرشاد " ( وإفراد يوم الجمعة ) نص عليه لحديث أبي هريرة : لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم وبعده يوم متفق عليه ، ولمسلم لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم . قال الداودي : لم يبلغ مالكا الحديث ، ويحمل ما روي من صومه ، والترغيب فيه على صومه مع غيره فلا تعارض ( ويوم السبت ) ذكره أصحابنا لحديث عبد الله بن بشر عن أخته الصماء لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم . رواه [ ص: 55 ] أحمد ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا ثور ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الله . . . . فذكره ، وإسناده جيد ، والحاكم ، وقال : على شرط البخاري ، ولأنه يوم تعظمه اليهود ففي إفراده تشبه بهم . واختار الشيخ تقي الدين وهو ظاهر كلام الآجري أنه لا يكره ، وهو قول أكثر العلماء ، وحملوا الحديث على الشذوذ ، أو أنه منسوخ ، ( ويوم الشك ) لقول عمار : من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ، رواه أبو داود ، والترمذي ، وصححه ، وهو للبخاري تعليقا ، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن في السماء علة ، ولم يتراء الناس الهلال ، وقال القاضي ، والأكثر : أو شهد به من ردت شهادته قال : أو كان في السماء علة ، وقلنا : لا يجب صومه ، وقيل : يحرم صومه ، ولا يصح اختاره ابن البنا ، وأبو الخطاب ، والمجد وغيرهم : للنهي ، وحكى الخطابي عن أحمد لا يكره حملا للنهي على صومه من رمضان ، ولا يكره مع عادة أوصلته بما قبل النصف ، وفاقا ، وبعده الخلاف السابق ، ولا عن واجب لجواز النفل المعتاد فيه كغيره ، وعنه : يكره صومه قضاء ، جزم به جماعة ، فيتوجه طرده في كل واجب للشك في براءة الذمة .

( و ) يكره ( يوم النيروز والمهرجان ) هما عيدان للكفار قال : الزمخشري النيروز اليوم الرابع من شهر الربيع ، والمهرجان : اليوم التاسع عشر من الخريف لما فيه من موافقة الكفار من تعظيمهما ، واختار المجد عدمها لأنهم لا يعظمونه بالصوم كالأحد ، وعلى الأول : يكره صوم كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم ذكره الشيخان ( إلا أن يوافق عادة ) هو راجع إلى صوم يوم الجمعة ، وما بعده ; [ ص: 56 ] لأن العادة لها أثر في ذلك لقوله - عليه السلام - : لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه متفق عليه .

مسألة : يكره الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين أو الأيام في قول أكثر العلماء إلا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فمباح له ، ولا يكره إلى السحر نص عليه ، وتركه أولى .

( ولا يجوز صوم يومي العيدين ) إجماعا للنهي المتفق عليه من حديث عمر وأبي هريرة ( عن فرض ولا تطوع ) لما ذكرنا ; لأنه ظاهر في التحريم ، وعنه : يصح مع التحريم ; لأنه إنما نهى عنه لأنهم أضياف الله ، وقد دعاهم ، فالصوم ترك إجابة الداعي ، ومثله لا يمنع الصحة بخلاف النفل ; لأن الغرض به الثواب ، فنافته المعصية ، ولهذا لم يصح النفل في غصب .

وفي " الواضح " رواية يصح عن نذره المعين ، والأول أصح لما روى مسلم من حديث أبي سعيد : لا يصلح الصيام في يومين ( وإن قصد صيامهما كان عاصيا ) ; لأنه تعمد فعل الحرام . وظاهره أنه لا يعصي حيث فقد القصد ; لأنه لم يتعمد المخالفة فلم يوصف به ، ( ولم يجزئه عن فرض ) ; لأن النهي يقتضي الفساد ، وهو لا يجامع إلا الإجزاء ، وحكم التطوع كذلك ، ( ولا يجوز صيام أيام التشريق ) تطوعا لما روى مسلم عن نبيشة الهذلي مرفوعا : أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ولأحمد النهي عن صومها من حديث أبي هريرة ، وسعد بإسنادين ضعيفين . ومن صامها أو رخص فيه فلم يبلغه النهي . قال المجد : أو تأوله على إفرادها كيوم الشك ( وفي صومها عن فرض روايتان ) إحداهما : لا يصح اختارها الخرقي ، وابن أبي موسى ، والقاضي ، وجزم بها في " الوجيز " للعموم ، والثانية : يصح قدمها في " المحرر " لقول ابن عمر ، وعائشة لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي . رواه البخاري ، والباقي [ ص: 57 ] في معناه فيلحق به ، وأجاب القاضي بأنه خاص مختلف فيه ، والأول عام متفق عليه فيقدم على المختلف فيه . وعنه : يجوز صومها عن دم المتعة خاصة . ذكرها الترمذي ، وهو ظاهر كلام ابن عقيل و " العمدة " واختاره المجد .

تنبيه : لا يجوز ، ولا يصح نفل الصوم ممن عليه فرضه لما روى أحمد من رواية ابن لهيعة من حديث أبي هريرة : من صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يصمه لم يتقبل منه حتى يصومه ، ولأنه عبادة جاز تأخيرها تخفيفا فإذا لم يؤده لزمه الأصل ، وكالحج ، وعنه : يجوز للعموم ، وكذا يخرج في التطوع بالصلاة ممن عليه القضاء ، اختار جماعة منهم الشيخان : أنه لا يصح لوجوبها على الفور ، والمذهب أنه يبدأ بفرض الصوم قبل نذر لا يخاف فوته ، وعنه : بالنذر ، ويحمل على أنه كان معينا بوقت يخاف فوته فعلى الأول : لا يكره قضاء رمضان في عشر ذي الحجة ، بل يستحب إذا لم يكن قضاه قبله ، وعلى الجواز : يكره في رواية روي عن علي ، ولا يصح لينال فضيلتهما ، ولا يكره في أخرى روي عن عمر للآية ، وكعشر المحرم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث