الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الباب الثاني في الأذان .

الأذان والإقامة سنتان على أصح الأوجه ، وفرضا كفاية على الثاني . والثالث : هما سنة في غير الجمعة ، وفرضا كفاية فيها .

فإذا قلنا : سنة ، فاتفق أهل بلد على تركها ، لم يقاتلوا على الأصح ، كسائر السنن . وإذا قلنا : فرض كفاية ، قوتلوا على تركها بلا خلاف .

وإنما يسقط الإثم عنهم ، بإظهارها في البلدة ، أو القرية ، بحيث يعلم جميع أهلها ، أنه قد أذن فيها لو أصغوا . ففي القرية الصغيرة ، يكفي في موضع ، وفي البلد الكبير ، لا بد منه في مواضع .

وإذا قلنا : الأذان فرض كفاية في الجمعة ، فقيل : الواجب ، هو الذي بين يدي الخطيب . وقيل : يسقط الوجوب بالأذان المأتي به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يدي الخطيب .

أما ما يؤذن له فلا خلاف أنه يؤذن للجماعة الأولى من صلوات الرجال في كل مكتوبة مؤداة . فإن فقد بعض هذه القيود ، ففيه تفصيل .

أما المنفرد في الصحراء ، [ ص: 196 ] أو بلد ، فيؤذن على المذهب والمنصوص في الجديد . وقيل : لا يؤذن في القديم . وفي وجه : إن رجا حضور جماعة أذن وإلا فلا .

هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذنين ، فإن بلغه ، فالخلاف مرتب ، وأولى بأن لا يؤذن . فإن قلنا : لا يؤذن ، فهل يقيم ؟ وجهان :

أصحهما : نعم . وإن قلنا : يؤذن ، فهل يرفع صوته ؟ نظر ، إن صلى في مسجد أقيمت فيه جماعة وانصرفوا لم يرفع ، لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى . وإلا فوجهان :

الأصح : يرفع . والثاني : إن رجا جماعة رفع ، وإلا فلا . أما إذا أقيمت جماعة في مسجد ، فحضر قوم ، فإن لم يكن له إمام راتب لم يكره لهم إقامة الجماعة فيه ، وإن كان كرهت على الأصح .

وإذا أقاموا جماعة مكروهة أو غير مكروهة ، فقولان :

أحدهما : لا يسن لهم الأذان . وأظهرهما : يسن ، ولا يرفع فيه الصوت ، لخوف اللبس . وسواء كان المسجد مطروقا أو غير مطروق .

قال إمام الحرمين : حيث قلنا في الجماعة الثانية ، في المسجد الذي أقيم فيه جماعة ، وأذان الراتب : لا يرفع الصوت ، لا نعني به أنه يحرم الرفع ، بل نعني به أن الأولى أن لا يرفع .

وإذا قلنا : المنفرد لا يرفع صوته ، فلا نعني به أن الأولى أن لا يرفع ، فإن الرفع أولى في حقه . ولكن نعني ، أنه يعتد بأذانه دون الرفع .

أما جماعة النساء ، ففيها أقوال : المشهور المنصوص في ( الأم ) و ( المختصر ) : يستحب لهن الإقامة ، دون الأذان . فلو أذنت على هذا ، ولم ترفع صوتها ، لم يكره . وكان ذكرا لله تعالى .

والثاني : لا أذان ولا إقامة . والثالث : يستحبان معا . ولو صلت امرأة منفردة . إن قلنا : الرجل المنفرد . لا يؤذن فهي أولى . وإلا فعلى هذه الأقوال لا ترفع صوتها بحال ، فوق ما تسمع صواحبها . ويحرم عليها الزيادة على ذلك . أما غير الفرائض الخمس فلا أذان لها ولا إقامة . سواء كانت منذورة أو سنة ، سواء سن لها الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء ، أم لم يسن كالضحى . لكن ينادى للعيد [ ص: 197 ] والكسوف والاستسقاء ، الصلاة جامعة . وكذا ينادى للتراويح ، إذا صليت جماعة . وفي استحباب هذا النداء في الجنازة ، وجهان :

قلت : الأصح ، لا يستحب . وبه قطع كثيرون ، وهو المنصوص في ( الأم ) . والله أعلم .

أما الفريضة الفائتة ، فيقيم لها بلا خلاف . وفي الأذان ثلاثة أقوال :

الجديد الأظهر لا يؤذن ، والقديم يؤذن ، والثالث نصه في ( الإملاء ) إن رجا اجتماع جماعة يصلون معه أذن ، وإلا فلا . قال الأئمة : الأذان في الجديد ، حق الوقت . وفي القديم ، حق الفريضة . وفي ( الإملاء ) حق الجماعة .

قلت : الأظهر : أنه يؤذن للفائتة . وقد ثبت ذلك في الصحيح عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وصححه كثير من أصحابنا . والله أعلم .

وإذا أقيمت الفائتة جماعة سقط القول الثالث ، ولو قضى فوائت ، فعلى التوالي أقام لكل واحدة قطعا بلا خلاف ، ولا يؤذن لغير الأولى قطعا .

وفي الأولى هذه الأقوال ، ولو والى بين فريضة الوقت ومقضية ، فإن قدم فريضة الوقت أذن لها وأقام للمقضية ، وإن قدم المقضية أقام لها .

وفي الأذان لها الأقوال ، وأما فريضة الوقت ، فقال إمام الحرمين : إن قلنا : يؤذن للمقضية ، لم يؤذن لفريضة الوقت وإلا أذن ، والأصح : أنه لا يؤذن لفريضة الوقت بعد المقضية بكل حال .

قلت : إلا أن يؤخرها عن المقضية ، بحيث يطول الفصل بينهما ، فإنه يؤذن للحاضرة قطعا بكل حال . كذا قاله أصحابنا . والله أعلم .

أما إذا جمع بين صلاتي الجمع بسفر أو مطر ، فإن قدم الثانية إلى وقت الأولى أذن للأولى وأقام للثانية ، وإن أخر الأولى إلى وقت الثانية [ ص: 198 ] أقام لكل واحدة ولا يؤذن للثانية ، وفي الأذان للأولى الأقوال في الفائتة .

والأظهر : لا يؤذن . قال إمام الحرمين : وينقدح أن يقال : يؤذن لها ، وإن لم يؤذن للفائتة .

قلت : بل الأظهر ، أنه يؤذن . ففي ( صحيح مسلم ) عن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت الثانية . بأذان وإقامتين ، وهو مقدم عند العلماء على رواية أسامة ، وابن عمر : أنه صلاهما بإقامتين ؛ لأنه زيادة ثقة حفظ ما لم يحفظ غيره . والله أعلم .

وخرج أبو الحسين بن القطان من أصحابنا وجها : أنه يؤذن لكل واحدة من صلاتي الجمع ، قدم أو أخر .

قلت : قال إمام الحرمين : لا سبيل إلى توالي أذانين ، إلا في صورة على قول ، وهي إذا صلى فائتة قبيل الزوال ، وأذن لها على قول ، فلما فرغ منها ، زالت الشمس ، فأراد إقامة الظهر ، أذن لا محالة . هذا كلام الإمام ، ويتصور التوالي قطعا فيما لو أخروا المؤداة إلى آخر الوقت ، فأذنوا لها ، وصلوها ، ثم دخلت فريضة أخرى . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث