الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

النوع الخامس والعشرون

في كتابة الحديث ، وكيفية ضبط الكتاب ، وتقييده

اختلف الصدر الأول رضي الله عنهم في كتابة الحديث‏ ، فمنهم من كره كتابة الحديث ، والعلم ، وأمروا بحفظه‏ ، ومنهم من أجاز ذلك‏ . ‏

وممن روينا عنه كراهة ذلك : عمر ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى ، وأبو سعيد الخدري ، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين‏ . ‏

وروينا عن أبي سعيد الخدري‏ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ‏لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن ، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه‏ " ‏‏ . ‏ أخرجه ‏مسلم‏ في صحيحه‏ . ‏

وممن روينا عنه إباحة ذلك ، أو فعله علي ، وابنه الحسن ، [ ص: 182 ] وأنس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، في جمع آخرين من الصحابة ، والتابعين ، رضي الله عنهم أجمعين‏ . ‏

ومن صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على جواز‏ ذلك : حديث أبي شاه اليمني في التماسه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام فتح مكة ، وقوله صلى الله عليه وسلم‏ : " ‏اكتبوا لأبي شاه‏ " ‏‏ . ‏

ولعله صلى الله عليه وسلم أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان ، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه ، مخافة الاتكال على الكتاب‏ ، أو نهى عن كتابة ذلك حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم ، وأذن في كتابته حين أمن من ذلك‏ . ‏

وأخبرنا ‏أبو الفتح بن عبد المنعم الفراوي‏ - قراءة عليه بنيسابور جبرها الله - أخبرنا أبو المعالي الفارسي‏ ، أخبرنا الحافظ أبو بكر البيهقي‏ ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران‏ ، أخبرنا أبو عمرو بن السماك‏ ، ثنا حنبل بن إسحاق‏ ، ثنا سليمان بن أحمد‏ ، ثنا الوليد هو ابن مسلم قال‏ : كان الأوزاعي يقول‏ : " كان هذا العلم كريما [ ص: 183 ] يتلقاه الرجال بينهم ، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله . ‏

ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

ثم إن على كتبة الحديث ، وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه ، أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلا ، ونقطا يؤمن معهما الالتباس ، وكثيرا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه ، وتيقظه ، وذلك وخيم العاقبة ، فإن الإنسان معرض للنسيان ، وأول ناس أول الناس ، وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه ، وشكله يمنع من إشكاله‏ . ‏

ثم لا ينبغي أن يتعنى بتقييد الواضح الذي لا يكاد يلتبس‏ ، وقد أحسن من قال‏ : إنما يشكل ما يشكل‏ . ‏ [ ص: 184 ] وقرأت بخط صاحب كتاب ( ‏سمات الخط ورقومه‏ ) علي بن إبراهيم البغدادي فيه‏ أن أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملتبس‏ ، وحكى غيره عن قوم أنه ينبغي أن يشكل ما يشكل ، وما لا يشكل ، وذلك لأن المبتدئ ، وغير المتبحر في العلم لا يميز ما يشكل مما لا يشكل ، ولا صواب الإعراب من خطئه ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث