الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الأصل الثاني من أصول الأدلة : سنة رسول الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ; لدلالة المعجزة على صدقه ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه ; ولأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . لكن بعض الوحي يتلى فيسمى كتابا وبعضه لا يتلى وهو السنة . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على من [ ص: 104 ] سمعه شفاها . فأما نحن فلا يبلغنا قوله إلا على لسان المخبرين إما على سبيل التواتر وإما بطريق الآحاد ، فلذلك اشتمل الكلام في هذا الأصل على مقدمة وقسمين : قسم في أخبار التواتر ، وقسم في أخبار الآحاد . ويشتمل كل قسم على أبواب .

أما المقدمة ففي بيان ألفاظ الصحابة رضي الله عنهم في نقل الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهو على خمس مراتب :

الأولى : ، وهي أقواها : أن يقول الصحابي : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا " أو " أخبرني " أو " حدثني " أو " شافهني " فهذا لا يتطرق إليه الاحتمال ، وهو الأصل في الرواية والتبليغ قال صلى الله عليه وسلم { نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها } الحديث .

الثانية : أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو " أخبر " أو حدث " فهذا ظاهره النقل إذا صدر من الصحابي وليس نصا صريحا ; إذ قد يقول الواحد منا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه ، فلا يستحيل أن يقول الصحابي ذلك اعتمادا على ما بلغه تواترا أو بلغه على لسان من يثق به ودليل الاحتمال ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من أصبح جنبا فلا صوم له } فلما استكشف قال : حدثني به الفضل بن عباس ، فأرسل الخبر أولا ولم يصرح .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم : { إنما الربا في النسيئة } فلما روجع فيه أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد . إلا أن هذا وإن كان محتملا فهو بعيد ، بل الظاهر أن الصحابي إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فما يقول إلا وقد سمع رسول الله بخلاف من لم يعاصر إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإن قرينة حاله تعرف أنه لم يسمع ، ولا يوهم إطلاقه السماع بخلاف الصحابي فإنه إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوهم السماع فلا يقدم عليه إلا عن سماع هذا هو الظاهر وجميع الأخبار " إنما نقلت إلينا كذلك ، إذ يقال قال أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا نفهم من ذلك إلا السماع .

الثالثة : أن يقول الصحابي : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عن كذا " فهذا يتطرق إليه احتمالان :

أحدهما : في سماعه كما في قوله " قال " .

والثاني : في الأمر ، إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمرا فقد اختلف الناس في أن قوله " افعل " هو للأمر ، فلأجل هذا قال بعض أهل الظاهر : لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ . والصحيح أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقا أنه أمر بذلك ، وأن يسمعه يقول أمرتكم بكذا ، أو يقول افعلوا ، وينضم إليه من القرائن ما يعرفه كونه أمرا ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر .

أما احتمال بنائه الأمر على الغلط والوهم فلا نطرقه إلى الصحابة بغير ضرورة ، بل يحمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة ما أمكن ، ولهذا لو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا " ولكن شرط شرطا ووقت وقتا فيلزمنا اتباعه ، ولا يجوز أن نقول لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت ورأى ما ليس بشرط شرطا ، ولهذا يجب أن يقبل قول الصحابي " نسخ حكم كذا " وإلا فلا فرق بين قوله " نسخ " وقوله " أمر " ، ولذلك قال علي رضي الله عنه وأطلق : " أمرت أن أقاتل الناكثين والمارقين [ ص: 105 ] والقاسطين " ولا يظن بمثله أن يقول أمرت إلا عن مستند يقتضي الأمر .

ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه ، حتى ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة . والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضا ينبغي أن يتوقف في هذا ; إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرا للأمة أو لطائفة أو لشخص بعينه وكل ذلك يتيح له أن يقول " أمر " فيتوقف فيه على الدليل ، لكن يدل عليه أن أمره للواحد أمر للجماعة إلا إذا كان لوصف يخصه من سفر أو حضر ، ولو كان كذلك لصرح به الصحابي كقوله : { أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن } نعم لو قال : " أمرنا بكذا " وعلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة حمل عليه وإلا احتمل أن يكون أمرا للأمة أو له أو لطائفة .

الرابعة : أن يقول : " أمرنا بكذا ونهينا عن كذا " فيتطرق إليه ما سبق من الاحتمالات الثلاثة واحتمال رابع ، وهو الآمر ، فإنه لا يدري أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأئمة والعلماء ، فقال قوم : لا حجة فيه ، فإنه محتمل . وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه يريد به إثبات شرع وإقامة حجة ، فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله .

وفي معناه قوله : " من السنة كذا والسنة جارية بكذا " . فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول الله وما يجب اتباعه دون سنة غيره ممن لا تجب طاعته . ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته . أما التابعي إذا قال " أمرنا " احتمل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الأمة بأجمعها والحجة حاصلة به ، ويحتمل أمر الصحابة ، لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته ، ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي .

الخامسة : أن يقول : " كانوا يفعلون كذا " فإن أضاف ذلك إلى زمن الرسول عليه السلام فهو دليل على جواز الفعل ; لأن ذكره في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عليه دون ما لم يبلغه . وذلك يدل على الجواز ، وذلك مثل قول ابن عمر رضي الله عنه : { كنا نفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره } وقال : { كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج } الحديث وقال أبو سعيد : { كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من بر في زكاة الفطرة } وقالت عائشة رضي الله عنها : { كانوا لا يقطعون في الشيء التافه } .

وأما قول التابعي : " كانوا يفعلون " لا يدل على فعل جميع الأمة بل على البعض فلا حجة فيه ، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلا للإجماع وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي فقد ظهر من هذه المقدمة ما هو خبر عن رسول الله وما ليس خبرا عنه . والآن فلا بد من بيان طرق انتهاء الخبر إلينا ، وذلك إما بنقل التواتر أو الآحاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث