الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الخامسة فيما قيل إن ابن سلام وأمثاله اختاروا الإسلام طمعا في الرياسة

[ ص: 437 ] ( فصل ) : قال السائل :

إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على الإيمان للغرض المذكور ، فابن سلام وأصحابه أولى بذلك الغرض ، لأنهم قليلون جدا ، وأضداده كثيرون لا يحصيهم عدد . والجواب من وجوه :

أحدها : أنه قد بينا أن جمهور هاتين الأمتين المذكورتين آمن به وصدقه وقد كانوا ملء الأرض ، وهذه الشام ومصر وما جاورهما ، واتصل بهما من أعمالهما ، والجزيرة والموصل وأعمالهما ، وأكثر بلاد المغرب وكثير من بلاد المشرق ، كانوا كلهم نصارى فأصبحت هذه البلاد كلها مسلمين ، فالمتخلف من هاتين الأمتين عن الإيمان أقل القليل بالإضافة إلى من آمن به وصدقه ، وهؤلاء عباد الأوثان كلهم أطبقوا على الإسلام إلا من كان منهم في أطراف الأرض بحيث لم تصل إليه الدعوة ، وهذه أمة المجوس توازي هاتين الأمتين كثرة وشوكة وعددا دخلوا في دينه ، وبقي من بقي منهم كما بقيتم أنتم تحت الذلة والجزية .

الثاني : أنا قد بينا أن الغرض الحامل لهم على الأمر ليس هو مجرد المأكلة والرئاسة ، وإن كانا من جملة الأغراض ، بل منهم من حمله على ذلك ، ومنهم من حمله الحسد ، ومنهم من حمله الكبر ، ومنهم من حمله [ ص: 438 ] محبة الآباء والأسلاف وحسن الظن بهم ، ومنهم من حمله محبة إلفه للدين الذي نشأ عليه ، فجبل بطبعه ، فصار انتقاله عنه كمفارقة الإنسان ما طبع عليه ، وأنت ترى هذا السبب كيف هو الغالب المستولي على أكثر بني آدم في إيثارهم ما اعتادوه من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والديانات على ما هو خير منه وأوفق بكثير .

ومنهم من حمله التقليد والجهل وهم الأتباع الذين ليس لهم علم ، ومنهم من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب ، فلم ينسب هاتين الأمتين إلى الغرض المذكور وحده ؟

الثالث : أنا قد بينا أن الأمم الذين كانوا عليهم كانوا أكثر عددا وأغزر عقولا منهم ، وكلهم اختار العمى على الهدى ، والكفر على الإيمان بعد البصيرة ، فلهاتين الأمتين سلف كثير وهم أكثر الخلق .

الرابع : أن عبد الله بن سلام ومن دونه إنما أسلموا في وقت شدة من الأمر وقلة من المسلمين وضعف وحاجة ، وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم ، واليهود والمشركون هم أهل الشوكة والعدة والحلقة والسلاح ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ ذاك قد أووا إلى المدينة ، وأعداؤهم يطلبونهم في كل وجه ، وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم بهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وخادمهم واستخفوا ثلاثا في غار تحت الأرض ، ثم خرجوا بعد ثلاث على غير الطريق إلى أن قدموا المدينة ، والشوكة والعدد والعدة فيها لليهود والمشركين ، فأسلم عبد الله بن سلام حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، لما رأى أعلام النبوة التي كان يعرفها وشاهدها فيه ، وترك الأغراض التي منعت المغضوب عليهم من [ ص: 439 ] الإسلام من الرئاسة والمال والجاه بينهم ، وقد شهدوا له كلهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رئيسهم وخيرهم وسيدهم ، فعلم أنهم إن علموا بإسلامه أخرجوه من تلك الرئاسة والسيادة ، فأحب أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : أدخلني بعض بيوتك وسلهم عني ، ففعل ، وسألهم عنه فأخبروه أنه سيدهم ورئيسهم وعالمهم ، فخرج عليهم وذكرهم وأوقفهم على أنهم يعلمون أنه رسول الله ، وقابلهم بذلك ، فسبوه وقدحوا فيه وأنكروا رئاسته وسيادته وعلمه .

فلو كان عبد الله بن سلام ممن يؤثر عرض الدنيا والرئاسة لفعل كما فعله إخوان القردة وأمة الغضب والقوم البهت ، وهكذا شأن من أسلم من يهود خيبر .

وأما المتخلفون فكثير منهم صرح بغرضه لخاصته وعامته ، وقال : إن هؤلاء قد عظمونا ورأسونا وملكونا فلو اتبعناه لنزعوا ذلك كله منا ، وهذا قد رأيناه نحن في زماننا وشاهدناه عيانا . ولقد ناظرنا بعض علماء النصارى معظم يوم ، فلما تبين له الحق بهت ، فقلت له وأنا وهو خاليان : ما يمنعك الآن من اتباع الحق ؟ فقال لي : إذا قدمت على هؤلاء الحمير - هكذا لفظه - فرشوا الشقاق تحت حوافر دابتي ، وحكموني في أموالهم ونسائهم ، ولم يعصوني فيما آمرهم به ، وأنا لا أعرف صنعة ، ولا أحفظ قرآنا ، ولا نحوا ولا فقها ، فلو أسلمت لدرت في الأسواق أتكفف الناس ، فمن الذي يطيب نفسا بهذا ؟ ! فقلت : هذا لا يكون ، وكيف تظن بالله أنك إذا أسلمت وآثرت رضاه على هواك يخزيك ويحوجك ؟ ! ولو فرضنا أن ذلك أصابك فما ظفرت به من الحق والنجاة من النار ومن سخط الله وغضبه ، فيه أتم العوض عما فاتك ، فقال : حتى يأذن الله ، فقلت : والقدر لا يحتج به ، ولو كان القدر حجة لكان حجة لليهود على [ ص: 440 ] تكذيب المسيح ، وحجة للمشركين على تكذيب الرسل ، ولا سيما أنتم تكذبون بالقدر ، فكيف تحتج به ؟ ! فقال : دعنا الآن من هذا ، وأمسك .

الخامس : أن جوابك في نفس سؤالك فإنك اعترفت أن عبد الله بن سلام وذويه كانوا قليلين جدا وأضدادهم لا يحصون كثرة ، ومعلوم أن الغرض الداعي لموافقة الجمهور الذين لا يحصون كثرة ، وهم أولو القوة والشوكة أقوى من الغرض الداعي لموافقة الأقلين المستضعفين . والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث