الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أحب الدين إلى الله أدومه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

43 [ ص: 114 ] 32 - باب: أحب الدين إلى الله أدومه

43 - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة، قال: "من هذه؟ ". قالت: فلانة. تذكر من صلاتها. قال: " مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا". وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه. [1151 - مسلم :785 - فتح: 1 \ 101]

التالي السابق


ثنا محمد بن المثنى، ثنا يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة قال: "من هذه؟". قالت: فلانة. تذكر من صلاتها. قال: "مه، عليكم (من العمل) بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا". وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه.

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في كتاب الصلاة، وقال فيه: كانت عندي امرأة من بني أسد، وسماها في مسلم، لكن قال فيه: إن الحولاء بنت (تويت) بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله. فقلت: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون [ ص: 115 ] فوالله ما يسأم الله حتى تسأموا".

وذكره مالك في "الموطأ" وفيه: فقيل له: هذه الحولاء لا تنام الليل.

فكره ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى عرفت الكراهية في وجهه.

وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة.

كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة، وفيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة. فيحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى.

الثاني: في التعريف برجاله:

وقد سلف، (وهشام سيأتي في الباب بعده).

الثالث:

هذه المرأة هي الحولاء كما سلف، وهي -بحاء مهملة والمد- بنت تويت بتاءين مثناتين من فوق مصغر، وهي امرأة صالحة مهاجرة عابدة.

الرابع: في ألفاظه:

(قولها:) (تذكر من صلاتها): -هو بالمثناة أول- تذكر مفتوحة [ ص: 116 ] على المشهور، كما قاله النووي قال: وروي بالمثناة تحت مضمومة (على) ما لم يسم فاعله، و"مه": كلمة زجر وكف.

قال الجوهري : مه: كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سمي به الفعل، ومعناه: اكفف. فإن وصلت نونت فقلت: مه مه، ويقال: مهمهت به أي: زجرته.

فأراد - صلى الله عليه وسلم - زجرها بالسكوت، ثم ابتدأ بقوله: "عليكم من العمل بما تطيقون". أي: الزموا ما تطيقون الدوام عليه.

(قال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال: وهو أنسب للسياق) والعمل يحتمل أن يراد به صلاة الليل على سببه، ويحتمل حمله على العموم، كما نبه عليه الباجي.

قال أبو الزناد والمهلب: إنما قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك خشية الملال اللاحق، ويمل -بفتح الياء- وكذا تملوا - (هو) بفتح التاء والميم- ومعنى: الملالة: السآمة والضجر، واختلف العلماء في المراد به هنا; لأن الملال من صفة المخلوقين، وهو ترك الشيء استثقالا وكراهة له بعد حرص ومحبة فيه، وهذه غير لائقة بالرب تعالى، فالأصح أن معناه: لا يترك الثواب على العمل حتى يترك العمل.

[ ص: 117 ] وقيل: معناه: لا يمل إذا مللتم. قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابي وآخرون وأنشدوا عليه شعرا، ومثله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه. أي: لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، إذ لو كان المعنى ينقطع إذا انقطعت خصومه، لم يكن له [ ص: 118 ] فضل على غيره، وقيل: إن حتى بمعنى الواو، أو بمعنى حين. حكاه المازري، وفيه ضعف.

وإنما كان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه، لأن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع; لأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتثمر.

الخامس: في أحكامه وفوائده:

الأول: مراد البخاري بالباب أن الدين يطلق على الأعمال وقد سبق أن الدين والإسلام والإيمان يكون بمعنى، وقد تفترق، وموضع الدلالة: (وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه) أي: أحب الأعمال كما جاء مصرحا (به) في غير هذه الرواية.

الثاني: الدين هنا: الطاعة، ومنه الحديث في الخوارج "يمرقون من الدين". أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يريد أعمال الدين. وفي "المحكم": الدين: الإسلام. وقد دنت به، وفي حديث علي: محبة العلماء دين يدان به والدينة كالدين، وفي "الجامع": الدين: العبودية والذل، والدين: الملة والدين: (الخالص).

[ ص: 119 ] قلت: والدين الخالص في الآية: التوحيد، والحكم في قوله: "في دين الله" والدين اسم لجميع ما يتعبد الله تعالى به خلقه.

الثالث: استعمال المجاز، وموضع الدلالة إطلاق الملال عليه تعالى.

الرابع: جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان (فيه) تفخيم أمر أوجب عليه، أو تنفير عن أمر محذور، ونحو ذلك.

قال أصحابنا: يكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا كانت في طاعة كالبيعة (على) الجهاد ونحوه، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقا.

الخامس: فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم.

السادس: بيان شفقته ورأفته بأمته - صلى الله عليه وسلم -; لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة; لأن النفس تكون فيه أنشط، والقلب منشرح، فتستمر العبادة، ويحصل مقصود الأعمال، وهو الخضوع فيها واستلذاذها، والدوام عليها، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما لا يمكنه الدوام، وما يشق عليه، فإنه معرض لأن يتركه كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته الخير العظيم.

[ ص: 120 ] وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: "ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد"

وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها فقال: ورهبانية ابتدعوها إلى قوله: فما رعوها حق رعايتها [الحديد: 27]، والأحاديث الصحيحة دالة عليه في قوله: "لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه"، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصته - صلى الله عليه وسلم - في التخفيف في العبادة.

السابع: كراهة قيام جميع الليل، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به.

قال القاضي عياض: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصبح مغلوبا وفي رسول الله أسوة، ثم قال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور و (كسل) فلا بأس به.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث