الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2979 ] (37) سورة الصافات مكية وآياتها ثنتان وثمانون ومائة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤولون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في [ ص: 2980 ] العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أإنا لتاركو .آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقو العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68)

هذه السورة المكية - كسابقتها - قصيرة الفواصل، سريعة الإيقاع، كثيرة المشاهد والمواقف، متنوعة الصور والظلال، عميقة المؤثرات، وبعضها عنيف الوقع، عنيف التأثير.

وهي تستهدف - كسائر السور المكية - بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله. ولكنها - بصفة خاصة - تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى.وتقف أمام هذه الصورة طويلا; وتكشف عن زيفها وبطلانها بوسائل شتى، تلك هي الصورة التي كانت [ ص: 2981 ] جاهلية العرب تستسيغها، وهي تزعم أن هناك قرابة بين الله - سبحانه - وبين الجن، وتستطرد في تلك الأسطورة فتزعم أنه من التزاوج بين الله - تعالى - والجنة ولدت الملائكة، ثم تزعم أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله!.

هذه الأسطورة تتعرض لحملة قوية في هذه السورة تكشف عن تهافتها وسخفها، ونظرا لأنها هي الموضوع البارز الذي تعالجه السورة، فإنها تبدأ بالإشارة إلى طوائف من الملائكة: والصافات صفا. فالزاجرات زجرا. فالتاليات ذكرا .ويتلوها حديث عن الشياطين المردة، وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة كي لا يقربوا من الملإ الأعلى، ولا يتسمعوا لما يدور فيه; ولو كانوا حيث تزعم لهم أساطير الجاهلية ما طوردوا هذه المطاردة! كذلك يشبه ثمار شجرة الزقوم التي يعذب بها الظالمون في جهنم بأنها كرؤوس الشياطين في معرض التقبيح والتفظيع! وفي نهاية السورة تأتي الحملة المباشرة على تلك الأسطورة المتهافتة: فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون؟ أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون؟ ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون؟ أفلا تذكرون؟ أم لكم سلطان مبين؟ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون.. سبحان الله عما يصفون! ..

وإلى جانب علاج هذه الصورة الخاصة من صور الشرك الجاهلية تتناول السورة جوانب العقيدة الأخرى التي تتناولها السور المكية، فتثبت فكرة التوحيد مستدلة بالكون المشهود: إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق .. وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذبين في ثناي مشهد من مشاهد القيامة:

فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون. إنا كذلك نفعل بالمجرمين. إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون: أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون؟ بل جاء بالحق وصدق المرسلين. إنكم لذائقو العذاب الأليم. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ..

كذلك تتناول قضية البعث والحساب والجزاء. وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين. أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون؟ أوآباؤنا الأولون؟ قل نعم وأنتم داخرون .ثم تعرض بهذه المناسبة مشهدا مطولا فريدا من مشاهد القيامة الحافلة بالمناظر والحركات والانفعالات والمفاجئات!

وتعرض لقضية الوحي والرسالة الذي ورد من قولهم: أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون؟ والرد عليهم: بل جاء بالحق وصدق المرسلين ..

وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم، تعرض سلسلة من قصص الرسل: نوح وإبراهيم وبنيه، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس، تتكشف فيها رحمة الله ونصره لرسله وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل: ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين. ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين. إلا عباد الله المخلصين ..

وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم خاصة مع ابنه إسماعيل، قصة الذبح والفداء وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله في أروع صورها وأعمقها وأرفعها; وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء.

والمؤثرات الموحية التي تصاحب عرض موضوعات السور وقضاياها، تتمثل بشكل واضح في:

مشهد السماء وكواكبها وشهبها ورجومها: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ..

وفي مشاهد القيامة ومواقفها المثيرة، ومفاجآتها الفريدة، وانفعالاتها القوية. والمشاهد التي تحويها هذه السورة [ ص: 2982 ] ذات طابع فريد حقا سنلمسه عند استعراضه تفصيلا في مكانه من السورة.

وفي القصص ومواقفه وإيحاءاته، وبخاصة في قصة إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل - عليهما السلام - وترتفع المؤثرات الموحية هنا إلى الذروة التي تهز القلوب هزا عميقا عنيفا.

ذلك إلى الإيقاع الموسيقي في السورة وهو ذو طابع مميز يتفق مع صورها وظلالها ومشاهدها ومواقفها وإيحاءاتها المتلاحقة العميقة.

ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة أشواط رئيسية:

الشوط الأول: يتضمن افتتاح السورة بلقسم بتلك الطوائف من الملائكة: والصافات صفا، فالزاجرات زجرا، فالتاليات ذكرا على وحدانية الله رب المشارق، مزين السماء بالكواكب، ثم تجيء مسألة الشياطين وتسمعهم للملإ الأعلى ورجمهم بالشهب الثاقبة، يتلوها سؤال لهم: أهم أشد خلقا أم تلك الخلائق: الملائكة والسماء والكواكب والشياطين والشهب؟ للتوصل من هذا إلى تسفيه ما كانوا يقولونه عن البعث، وإثبات ما كانوا يستبعدونه ويستهزئون بوقوعه، ومن ثم يعرض ذلك المشهد المطول للبعث والحساب والنعيم والعذاب، وهو مشهد فريد.

والشوط الثاني: يبدأ بأن هؤلاء الضالين لهم نظائر في السابقين، الذين جاءتهم النذر فكان أكثرهم من الضالين، ويستطرد في قصص أولئك المنذرين من قوم نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس; وكيف كانت عاقبة المنذرين وعاقبة المؤمنين.

والشوط الثالث يتحدث عن تلك الأسطورة التي مر ذكرها: أسطورة الجن والملائكة، ويقرر كذلك وعد الله لرسله بالظفر والغلبة: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ..

وينتهي بختام السورة بتنزيه الله –سبحانه - والتسليم على رسله والاعتراف بربوبيته: سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين .. وهي القضايا التي تتناولها السورة في الصميم..

والآن نأخذ في التفصيل:

والصافات صفا، فالزاجرات زجرا، فالتاليات ذكرا، إن إلهكم لواحد. رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق ..

والصافات والزاجرات والتاليات: طوائف من الملائكة ذكرها هنا بأعمالها التي يعلمها، والتي يجوز أن تكون هي الصافات قوائمها في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله، والزاجرات لمن يستحق الزجر من العصاة في أثناء قبض أرواحهم مثلا أو عند الحشر والسوق إلى جهنم أو في أية حالة وفي أي موضع. والتاليات للذكر: القرآن أو غيره من كتب الله أو المسبحات بذكر الله.

يقسم الله –سبحانه - بهذه الطوائف من الملائكة على وحدانيته: إن إلهكم لواحد . ومناسبة هذا القسم - كما أسلفنا - هو تلك الأسطورة التي كانت شائعة في جاهلية العرب من نسبة الملائكة إلى الله، واتخاذهم آلهة بما أنهم - بزعمهم - بنات الله!.

ثم يعرف الله عباده بنفسه في صفته المناسبة للوحدانية:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث