الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه

( الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه )

أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحد منها وجب الضمان ، ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان . ( أحدها ) التفويت مباشرة كإحراق الثوب ، وقتل الحيوان ، وأكل الطعام ، ونحو ذلك .

( وثانيها ) التسبب للإتلاف كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه ، ووضع السموم في الأطعمة ، ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر ، ونحو ذلك مما شأنه في العادة أن يفضي غالبا للإتلاف . ( وثالثها ) وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب ، والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية القبض فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه لأن يده غير مؤتمنة ، ويد المتعدي بالدابة في الإجارة ، ونحوها ، ويخرج بهذا القيد يد المودع ، وعامل القراض ، ويد المساقي ، ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون ، وإنما يندرج فيه الغاصب ونحوه ، وحد السبب ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط ، والتسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة كحفر البئر في محل عدوانا فيتردى فيها بهيمة أو غيرها فإن أرادها غير الحافر فالضمان عليه دون الحافر تقديما للمباشر على المتسبب ، ويضمن المكره على إتلاف المال لأن الإكراه سبب ، وفاتح القفص بغير إذن ربه فيطير ما فيه حتى لا يقدر عليه ، والذي يحل دابة من رباطها أو عبدا مقيدا خوف الهرب فيهرب لأنه متسبب سواء كان الطيران أو الهرب عقيب الفتح والحل أم لا ، وكذلك السارق يترك الباب مفتوحا ، وما في الدار أحد .

وقال [ ص: 28 ] الشافعي رضي الله عنه إن طار الحيوان عقيب الفتح ضمن ، وإلا فلا لأن الحيوان طار حينئذ بإدارته لا بالفتح .

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يضمن إلا في الرق إذا حله فيتبدد ما فيه لنا أن هذه الأمور سبب الإتلاف عادة فتوجب بالضمان كسائر صور التسبب المجمع عليها ولقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } سقط خصوص التسبب بقي الغرم ، وبالقياس على ما إذا فتح مراحه فخرجت ماشيته فأفسدت الزرع فإنه يضمنه احتجوا بأنه إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة دونه ، والطير مباشر باختياره لحركة نفسه كمن حفر بئرا عدوانا فأردى فيها غيره إنسانا فإن المردي يضمن دون الأول ، والحيوان قصده معتبر بدليل جوارح الصيد إن أمسكت لأنفسها لا يؤكل الصيد أو للصائد أكل ، والجواب لا نسلم أن الطائر كان مختارا للطيران ، ولعله كان مختارا للإقامة لانتظار العلف أو خوف الجوارح الكواسر ، وإنما طار خوفا من الفاتح وإذا احتمل ، واحتمل والسبب معلوم فيضاف الضمان إليه كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها لفزع خلفه أو غير ذلك ، ولا نسلم أن الصيد لا يؤكل إذا أكل منه الجارح سلمناه لكن الضمان متعلق بالسبب الذي توصل به الطائر لمقصده كمن أرسل بازيا على طائر غيره فقتله البازي باختياره فإن المرسل يضمن .

وهذه المسألة تقتضي اختيار الحيوان ، ولا نسلم أن الفتح سبب مجرد بل هو في معنى المباشرة لما في طبع الطائر من النفور من الآدمي ، وأما إلقاء غير الحافر للبئر إنسانا ، وإلقاؤه هو نفسه في البئر فالفرق أن قصد الطائر ونحوه ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم { جرح العجماء جبار } ، والآدمي يضمن قصد أو لم يقصد فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه ، وهاهنا مسألتان

( المسألة الأولى ) إذا قلنا بالضمان فالضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما بعده وعند الشافعي تعتبر الأحوال كلها فيضمنه أعلى القيم ، وتظهر فائدة الخلاف إذا غصبها ضعيفة مشوهة معيبة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوب عنده فعندنا القيمة وعنده الثانية لأنها أعلى ، وكذلك خالفنا في وطء الشبهة فعندنا أول يوم الشبهة وعنده يعتبر أعلى الرتب فيوجب لها صداق المثل في أشرف أحوالها كما يوجب أعلى القيم في الغصب . لنا قاعدة أصولية ، وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد رتب الضمان على الأخذ باليد فيكون الأخذ باليد هو سبب الضمان فمن ادعى أن غيره سبب فعليه الدليل لأن الأصل عدم سببية غير ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترده } فهذه قرينة تدل على سببية الأخذ كقولنا على الزاني الرجم .

وعلى السارق القطع فإنه يدل على سببية هذه الأوصاف ، وهو في أثناء مدة الغصب لا يصدق عليه أنه أخذ الآن بل أخذ فيما مضى فوجب أن يختص السبب بما مضى ، وفي وطء الشبهة وجب أن يكون كذلك لأنه لا قائل بالفرق أو لأن الصداق ترتب في ذمته بالوطأة الأولى .

والأصل عدم انتقاله ، وما قاله أحد بوجوب صداقين أو بالقياس على الغصب ، ولنا قاعدة أخرى أصولية فقهية ، وهي أن الأصل ترتب المسببات على أسبابها من غير تراخ فيترتب الضمان حين وضع اليد لا ما بعد ذلك ، والمضمون لا يضمن لأنه تحصيل الحاصل ، وقياسا على حوالة الأسواق فإنها لا تضمن عندهم ، وقد حكى اللخمي ذلك عن مالك وابن القاسم ، وحكي عن أشهب وعبد الملك أخذ أرفع القيم إذا حالت الأسواق ، والفرق للكل أن حوالة الأسواق رغبات الناس ، وهي بين الناس خارجة عن السلع فلا تضمن بخلاف زيادة صفاتها ، ووافق الشافعي في تضمين أعلى القيم أحمد بن حنبل ، وجماعة من أصحابنا ، ووافق مشهورنا أبو حنيفة ، وعلى الأول لو تعلم العبد صنعة ثم نسيها ضمنها الغاصب احتجوا بوجوه

( الأول ) بأن الغاصب في كل وقت مأمور بالرد فهو مأمور برد الزيادة ، وما ردها فيكون غاصبا لها فيضمنها .

( الثاني ) أن الزيادة نشأت عن ملكه ، وفي ملكه فتكون ملكه ، ويد العدوان عليها فتكون مغصوبة فيضمن كالعين المغصوبة ، ولأنه في الحالة الثانية ظالم ، والظلم علة الضمان فيضمن ، والجواب عن الأول والثاني والثالث أنها مسلمة ، ولا نسلم أنها سبب الضمان فلا يلزم من الأمر ولا من الظلم ، ولا من غيرهما الضمان فإن الأسباب الشرعية تفتقر إلى نصب شرعي ، ولفظ صاحب الشرع اقتضى سببية وضع اليد ، ومفهومه أن غيره ليس بسبب فلا بد لسببية غيره من دليل .

ولم يوجد وضع اليد في أثناء الغصب بل استصحابها واستصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه بدليل أن استصحاب النكاح لا يقوم مقام العقد الأول لصحته مع الاستبراء ، والعقد لا يصح مع الاستبراء ، وكذلك الطلاق يوجب [ ص: 30 ] ترتب العدة عقيبه .

واستصحابه لا يوجب عدة ، ووضع اليد عدوانا يوجب التنسيق والتأثيم ، ولو جن بعد ذلك ، وهي تحت يده لم يأثم حينئذ ، ولم يفسق ، وابتداء العبادات يشترط فيها النيات ، وغيرها من التكبير ونحوه ، ودوامها لا يشترط فيه ذلك فعلمنا أن استصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه لا سيما ، وسبب الضمان هو الأخذ عدوانا ، ولا يصدق عليه بعد زمن الأخذ أنه أخذ الآن إلا على سبيل المجاز لأن حقيقة الأخذ تجري مجرى المناولة ، والحركات الخاصة لا يصدق شيء منها مع الاستصحاب فعلم أن سبب الضمان منفي في زمن الاستصحاب قطعا .

ونحن إنما نضمنه الآن بسبب متقدم لا بما هو حاصل الآن فاندفع ما ذكروه ، وأن القيمة إنما هو يوم الغصب زادت العين أو نقصت

( المسألة الثانية ) إذا ذهبت جل منفعة العين كقطع ذنب بغلة القاضي ، ونحو ذلك فعندنا يضمن الجميع ، وهو فرع اختلفت فيه المذاهب ، وتشعبت فيه الآراء ، وطرق الاجتهاد فقال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد ، والثوب كقولنا في الأكثر فإذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عادة فليس له إلا ما نقص فإن قلع عين البهيمة فربع القيمة استحسانا ، والقياس عندهم أن لا يضمن إلا النقص ، واختلفوا في تعليل هذا القول فقيل لأنه ينتفع بالأكل والركوب فعلى هذا يتعدى الحكم للإبل والبقر دون البغال والحمير ، ومنهم من قال الركوب فقط فيتعدى الحكم للبغال والحمير فيضمن أيضا ربع القيمة .

وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ليس له في جميع ذلك إلا ما نقص لأن الأصل بقاء ما بقي على ملكه فإن قطع يدي العبد أو رجليه فوافقنا أبو حنيفة في تخيير السيد تسليم العبد ، وأخذ القيمة كاملة وبين إمساكه ، ولا شيء له ، وقال الشافعي رضي الله عنه تتعين القيمة كاملة ، ولا يلزمه تسليم العبد خلاف قوله في المسألة الأولى ، وأصل هذا الفقه أن الضمان الذي سببه عدوان لا يوجب ملكا لأنه سبب للتغليط لا سبب للرفق وعندنا الملك مضاف للضمان لا لسببه ، وهو قدر مشترك بين العدوان ، وغيره ، وبسط ذلك في المسألة الأولى لنا وجوه

( الأول ) أن تقول إنه أتلف المنفعة المقصودة فيضمن كما لو قتلها أما إنه أتلف المنفعة المقصودة فلأن ذا الهيئة إذا قطع ذنب بغلته لا يركبها بعد ، والركوب هو المقصود .

وأما قياس ذلك على قتلها فلأن إذا قتلها ضمنها اتفاقا مع بقاء انتفاعه بإطعامها لكلابه ، وبزاته ، وبدبغ [ ص: 31 ] جلدها فينتفع به أو بغير دباغ إلى غير ذلك من المنافع غير المقصودة عادة ، ولما لم يمنع ذلك من الضمان علمنا أن الضمان مضاف للقدر المشترك بينهما منها ، وهو ذهاب المقصود فيستويان في الحكم عملا باشتراكهما في الموجب .

( الثاني ) أنه لو غصب عسلا وشيرجا ونشا فعقد الجميع فالوذجا ضمن عندهم مع بقاء منافع كثيرة من المالية فكذلك ها هنا

( وثالثها ) أنه لو غصب عبدا فأبق أو حنطة فبلها بللا فاحشا ضمن عندهم مع بقاء التقرب في الأول بالعتق وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب فكذلك ها هنا ، ولا يقال في الآبق حال بينه وبين جميع العين ، وفي الحنطة بتداعي الفساد إليها بالبلل لأنا نقول في صورة النزاع حال بينه وبين مقصوده ، وأفسده عليه ناجزا مع إمكان تجفيف الحنطة ، وعملها سويقا وغير ذلك من المنافع ، واحتجوا بأمرين

( الأول ) قوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } والاعتداء حصل في البعض فتلزمه قيمة البعض

( وثانيهما ) أن هذه الجناية لو حصلت في غير بغلة القاضي أو الأمير لم تلزمه القيمة فكذلك ها هنا كما لو جنى على عبده أو داره لأن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس إنما يختلف باختلاف البلاد والأزمان ، ويؤكده أنه لو قطع ذنب حمار التراب أو خرق ثوب الحطاب لم يلزمه جميع القيمة مع تعذر بيعه من الأمير ، والقاضي لأنهما لا يلبسانه بسبب ذلك القطع اليسير ، ولو قطع أذن الأمير نفسه أو أنف القاضي لما اختلفت الجناية فكيف بدابته مع أن شين القاضي بقطع أنفه أشد ، والجواب عن الأول أنه متروك الظاهر لاقتضائه أن يعور فرس الجاني كما عور فرسه ، وليس كذلك إجماعا ، وقيل إن الآية وردت في الدماء لا في الأموال ، ولأن قوله تعالى { عليكم } أي أنفسكم إنما تناول أنفسنا لأنه ضمير الأنفس ، وعن الثاني أن الدار جل مقصودها حاصل بخلاف الفرس .

وأما قولهم لا يختلف التقويم باختلاف البلاد بل يختلف فإن الدابة الصالحة للخاصة والعامة كالقضاة والخطباء أنفس قيمة لعموم الأغراض فيها ، ولتوقع المنافسة في المزايدة فيها أكثر من التي لا تصلح إلا لأحد الفريقين ، وأما أذن الأمير وأنف القاضي فإن القاعدة أن مزايا الرجال غير معتبرة في باب الدماء ومزايا الأموال متغيرة فدية أشجع الناس ، وأعلمهم كدية أجبن الناس وأجهلهم فأين أحد البابين من الآخر .

( تمهيد ) تحصل أن النقص عند العلماء ثلاثة أقسام تارة تذهب العين بالكلية فله طلب القيمة اتفاقا ، وتارة [ ص: 32 ] يكون النقص يسيرا فليس له إلزام القيمة اتفاقا ، وتارة يكون الذاهب مخلا بالمقصود فهو محل الخلاف ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في مذهبنا إن التعدي في مذهب مالك أربعة أقسام يسير لا يبطل الغرض المقصود به ، ويسير يبطله ، وكذلك كثير لا يبطل المقصود منه ، وكثير يبطله فهذه أربعة أقسام متقابلة : أما القسم الأول ، وهو اليسير الذي لا يبطل المقصود لا يضمن العين ، وكذلك الكثير الذي لا يبطل المقصود ، وهو القسم الثالث ، وأما القسم الرابع فيخير كما تقدم ، وعلى القول بتضمينه القيمة لو أراد ربه أخذه ، وما نقصه فذلك عند مالك وابن القاسم ، وقال محمد لا شيء له لأنه ملك أن يتضمنه فامتنع فذلك رضى .

وأما القسم الثاني ، وهو اليسير الذي يبطل المقصود فقاعدة مالك تقتضي تضمينه كما تقدم في ذنب بغلة القاضي قال ، وتستوي في ذلك المركوبات والملبوسات هذا هو المشهور ، وعن مالك لا يضمنه بذلك ، وفرق ابن حبيب بين الذنب فيضمن ، والأذن فلا يضمن لاختلاف الشين فيهما ، واتفقوا في حوالة الأسواق على عدم التضمين لأنها رغبات الناس فالنقص في رغبات الناس لا في المغصوب

[ ص: 29 ]

التالي السابق


[ ص: 29 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه ) أقول هذا الفرق مكرر مع ما تقدم من الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن .

وقد وضحته هناك أتم توضيح ، وضممت ما زاده هذا على ما ذكره هناك مع زيادة من بداية المجتهد ، وغيره لكنه ذكر هنا مسألتين تتعلق بهذا الفرق ، ولم أذكرها هناك .

( المسألة الأولى ) مشهور مذهبنا الذي حكاه اللخمي عن مالك وابن القاسم أن الضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما بعده ، وأن صداق المثل يجب للموطوءة في وطء الشبهة أول يوم الشبهة دون ما بعده ، ووافقنا أبو حنيفة ، وحجتنا في الغصب أمور ثلاثة : ( الأمر الأول ) القاعدة الأصولية ، وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 59 ] في قوله { على اليد ما أخذت حتى ترده } قد رتب الضمان على الأخذ باليد فيكون الأخذ باليد هو سبب الضمان .

وقوله صلى الله عليه وسلم ما أخذت قرينة تدل على ذلك كما يدل قولنا : على الزاني الرجم ، وعلى السارق القطع على سببية هذين الوصفين فمن ادعى أن غير الأخذ باليد سببا بعد ذلك فعليه الدليل لأن الأصل عدم سببية غير ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ما ذكر . ( الأمر الثاني ) القاعدة الأصولية الفقهية ، وهي أن الأصل ترتب المسببات على أسبابها من غير تراخ فيترتب حين وضع اليد لا ما بعد ذلك ، والمضمون لا يضمن لأنه تحصيل الحاصل . ( الأمر الثالث ) القياس على حوالة الأسواق فإنها كما لا تضمن عند الشافعية كذلك لا يضمن المغصوب بعد يوم الغصب ، وحجتنا في وطء الشبهة إما القياس على الغصب لأنه لا قائل بالفرق بينهما ، وإما لأن الصداق ترتب في ذمته بالوطأة الأولى .

والأصل عدم انتقاله ، وما قال أحد بوجوب صداقين ، وخالفنا الشافعي فيهما فقال تعتبر في المغصوب الأحوال كلها ، ويضمن الغاصب أعلى القيم ، ويعتبر في وطء الشبهة أعلى الرتب فيجب لها صداق المثل في أشرف أحوالها كما يجب أعلى القيم في الغصب ، ووافقه في تضمين أعلى القيم أحمد بن حنبل ، وجماعة من أصحابنا إلا أن الجماعة من الأصحاب اعتبروا الأخذ بأرفع القيم في حوالة الأسواق حكى اللخمي عن أشهب وعبد الملك أخذ أرفع القيم إذا حالت الأسواق والشافعي لم يعتبر التضمين بحوالة الأسواق كما علمت ، وقد يفرق له بين حوالة الأسواق وزيادة صفات السلع بأن الحوالة والأسواق رغبات الناس ، وهي بين الناس خارجة عن السلع فلا تضمن بخلاف زيادة صفاتها ، وتظهر فائدة الخلاف في مسائل : ( منها ) ما إذا غصبها ضعيفة مشوهة معيبة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوب عنده فعندنا القيمة الأولى ، وعند الشافعي الثانية لأنها أعلى ، وعلى مذهبه لو تعلم العبد صنعة ثم نسيها ضمنها الغاصب ، واحتج الشافعي وموافقوه بوجوه : ( الأول ) بأن الغاصب في كل وقت مأمور بالرد فهو مأمور برد الزيادة فما لم يردها يكون غاصبا لها فيضمنها .

( الثاني ) أن الزيادة نشأت عن ملكه ، وفي ملكه فتكون ملكه ، ويد العدوان عليها فتكون مغصوبة فيضمن كالعين المغصوبة . ( الثالث ) أنه في الحالة الثانية ظالم ، والظلم علة الضمان فيضمن . والجواب أن الوجوه الثلاثة ، وإن كانت مسلمة إلا أنا لا نسلم أنها سبب الضمان فلا يلزم من الأمر ، ولا من الظلم ولا من غيرهما الضمان لعدم نصبها شرعا سببا له ، والأسباب الشرعية تفتقر إلى نصب شرعي ، ولفظ صاحب الشرع إنما اقتضى [ ص: 60 ] سببية وضع اليد ، ومفهومه أن غيره ليس بسبب فلا بد لسببية غيره من دليل ، ولم يوجد وضع اليد في أثناء الغصب بل استصحابها ، واستصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه بدليل نظائر : ( منها ) أن استصحاب النكاح لا يقوم مقام العقد الأول لصحته مع الاستبراء ، والعقد لا يصح مع الاستبراء . ( ومنها ) أن الطلاق يوجب ترتب العدة عقيبه ، واستصحابه لا يوجب عدة . ( ومنها ) وضع اليد عدوانا يوجب التفسيق ، والتأثيم ، ولو جن بعد ذلك ، وهي تحت يده لم يأثم حينئذ ، ولم يفسق . ( ومنها ) ابتداء العبادة يشترط فيها النيات ، وغيرها من التكبير ونحوه ، ودوامها لا يشترط فيه ذلك فعلمنا أن استصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه لا سيما ، وسبب الضمان هو الأخذ عدوانا ، ولا يصدق عليه بعد زمن الأخذ أنه أخذ الآن إلا على سبيل المجاز لأن حقيقة الأخذ تجري مجرى المناولة ، والحركات الخاصة لا يصدق شيء منها مع الاستصحاب فعلم أن سبب الضمان منفي في زمن الاستصحاب قطعا ، ونحن إنما نضمنه الآن بسبب متقدم لا بما هو حاصل الآن فاندفع ما ذكروه ، وأن القيمة إنما هي يوم الغصب زادت العين أو نقصت

( المسألة الثانية ) اختلفت المذاهب وتشعبت الآراء ، وطرق الاجتهاد فيما إذا ذهب جل منفعة العين كقطع ذنب بغلة القاضي ، ونحو ذلك فعندنا يضمن الجميع في جميع صور ذلك .

وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ليس له في جميع صور ذلك إلا ما نقص لأن الأصل بقاء ما بقي على ملكه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد ، والثوب كقولنا في الأكثر في أنه إذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عادة فليس له إلا ما نقص ، وقال فإن قلع عين البهيمة فربع القيمة استحسانا ، والقياس عندهم أن لا يضمن إلا النقص ، واختلفوا في تعليل هذا القول فمنهم من قال لأنه ينتفع بالأكل والركوب معا ، وعليه فيتعدى الحكم للإبل والبقر دون البغال والحمير ، ومنهم من قال بالركوب فقط ، وعليه فيتعدى الحكم للبغال والحمير أيضا فيضمن ربع القيمة فإذا قطع يدي العبد أو رجليه فأبو حنيفة يوافقنا في تخيير السيد بين تسليم العبد ، وأخذ القيمة كاملة وبين إمساكه ، ولا شيء .

وقال الشافعي رضي الله عنه تتعين القيمة كاملة ، ولا يلزم تسليم العبد على خلاف قوله في المسألة الأولى أعني مسألة قطع ذنب بغلة القاضي ، ومنشأ الخلاف خلافهم في الملك هل يضاف للضمان وسببه معا ، وهو قول المخالف فلذا قال الضمان الذي سببه عدوان لا يوجب ملكا لأنه سبب للتغليط لا سبب للرفق أو يضاف للضمان فقط لا لسببه ، وهو قولنا وعليه فالضمان قدر مشترك بين العدوان وغيره ، وبسط ذلك في المسألة الأولى [ ص: 61 ] لنا وجوه ( الأول ) أن نقول إنه أتلف المنفعة المقصودة فيضمن كما لو قتلها أما أنه أتلف المنفعة المقصودة فلأن ذا الهيئة إذا قطع ذنب بغلته لا يركبها بعد ، والركوب هو المقصود ، وأما قياس ذلك على قتلها فلأنه إذا قتلها ضمنها اتفاقا مع بقاء انتفاعه بإطعامها لكلابه وبزاته ، وبدبغ جلدها فينتفع به أو بغير دباغ إلى غير ذلك من المنافع غير المقصودة عادة فلما لم يمنع ذلك من الضمان علمنا أن الضمان مضاف للقدر المشترك بينهما منها ، وهو ذهاب المقصود فيستويان في الحكم عملا باشتراكهما في الموجب .

( الوجه الثاني ) أنه لو غصب عسلا وشيرجا ونشا فعقد الجميع فالوذجا ضمن عندهم مع بقاء منافع كثيرة من المالية فكذلك ها هنا . ( الوجه الثالث ) أنه لو غصب عبدا فأبق أو حنطة فبلها بللا فاحشا ضمن عندهم مع بقاء التقرب في الأول بالعتق وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب فكذلك ها هنا ، وكما أنه في الآبق حال بينه وبين جميع العين ، وفي الحنطة أفسدها عليه ناجزا بالبلل لتداعي الفساد إليها به كذلك صورة النزاع حال بينه وبين مقصوده ، وأفسده عليه ناجزا مع إمكان تجفيف الحنطة ، وعملها سويقا ، وغير ذلك من المنافع ، وأما ما احتجوا به من الأمرين : ( الأول ) قوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } والاعتداء حصل في البعض فتلزمه قيمة البعض .

( والثاني ) أن مقتضى أن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس بل إنما يختلف باختلاف البلاد والأزمان أن تكون الجنابة في بغلة القاضي أو الأمير مثلها في غيرها كما لو جنى على عبده أو داره في عدم لزوم قيمة الجميع بل البعض ، ويؤيد ذلك أنه لو قطع ذنب حمار التراب أو خرق ثوب الحطاب لم يلزمه جميع القيمة مع تعذر بيع ذلك من الأمير والقاضي فإنهما لا يلبسان ذلك الثوب بسبب ذلك القطع اليسير ، وأنه لو قطع أذن الأمير نفسه أو أنف القاضي لما اختلفت الجناية فكيف بدابته مع أن شين القاضي بقطع أنفه أشد فالجواب عن الأول بأحد ثلاثة وجوه : ( الأول ) أن ظاهر الآية يقتضي أن يعور فرس الجاني كما عور فرسه ، وهذا الظاهر متروك إجماعا . ( الثاني ) أنها وردت في الدماء لا في الأموال .

( الثالث ) أن قوله تعالى { عليكم } أي أنفسكم إنما تناول أنفسنا لأنه ضمير الأنفس ، وعن الثاني بثلاثة وجوه : ( الأول ) أن الدار جل مقصودها حاصل بخلاف الفرس . ( الثاني ) أنا لا نسلم قولهم لا يختلف التقويم باختلاف الناس بل باختلاف البلاد والأزمان ألا ترى أن الدابة الصالحة للخاصة والعامة كالقضاة والخطباء أنفس قيمة لعموم الأغراض فيها ، ولتوقع [ ص: 62 ] المنافسة في المزايدة فيها أكثر من التي لا تصلح إلا لأحد الفريقين . ( الثالث ) أن القياس على أذن الأمير وأنف القاضي باطل لأن القاعدة أن المعتبر في باب الدماء مزايا الأموال لا مزايا الرجال فإن دية أشجع الناس وأعلمهم كدية أجبن الناس وأجهلهم فأين أحد البابين من الآخر .

وبالجملة فالنقص عند العلماء ثلاثة أقسام : ( الأول ) ما تذهب به العين بالكلية فيوجب طلب القيمة اتفاقا . ( والثاني ) ما لا يبطل المقصود فلا تلزم به القيمة اتفاقا . ( والثالث ) ما يخل بالمقصود فهو محل الخلاف المذكور ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في مذهبنا إن التعدي في مذهب مالك أربعة أقسام يسير لا يبطل الغرض المقصود به ، ويسير يبطله ، وكذلك كثير لا يبطل المقصود ، وكثير يبطله فهذه أربعة أقسام متقابلة

( أما القسم الأول ) وهو اليسير الذي لا يبطل المقصود فلا يضمن العين ، وكذلك الكثير الذي لا يبطل المقصود ، وهو القسم الثالث ، وأما القسم ( الرابع ) وهو الكثير الذي يبطل المقصود فيخير فيه كما تقدم ، وعلى القول بتضمينه القيمة لو أراد به أخذه ، وما نقصه فذلك له عند مالك وابن القاسم .

وقال محمد لا شيء له لأنه ملك أن يضمنه فامتنع فذلك رضى بنقصه ( وأما القسم الثاني ) وهو اليسير الذي يبطل المقصود فقاعدة مالك تقتضي تضمينه كما تقدم في ذنب بغلة القاضي قال وتستوي في ذلك المركوبات والملبوسات هذا هو المشهور ، وعن مالك لا يضمنه بذلك ، وفرق ابن حبيب بين الذنب فيضمن وبين الأذن فلا يضمن لاختلاف الشين فيهما ، واتفقوا في حوالة الأسواق على عدم التضمين لأنها رغبات الناس فالنقص في رغبات الناس لا في المغصوب هذا تهذيب ما في الأصل ، وسلمه أبو القاسم ابن الشاط ، وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد ، والنقصان الطارئ على المغصوب إما من قبل المخلوق ، وإما من قبل الخالق كأن يكون بأمر من السماء ، وليس له في الثاني إلا أن يأخذه ناقصا أو يضمنه قيمته يوم الغصب ، وقيل إن له أن يأخذه ، ويضمن الغاصب قيمة العيب .

وأما الأول فإما أن يكون بجناية الغاصب ، وإما أن يكون بجناية غيره عليه وهو عنده فالمغصوب في الأول مخير في المذهب بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه ، وما نقصته الجناية يوم الجناية عند ابن القاسم ، وعند سحنون ما نقصته الجناية يوم الغصب ، وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة أو يأخذه ناقصا ، ولا شيء له في الجناية كالذي يصاب بأمر من السماء ، وإليه ذهب ابن المواز ، وسبب إلا في اختلاف الخلاف [ ص: 63 ] جعل ما حصل في المغصوب من نماء ونقصان كأنه حدث في ملك صحيح فتجب للغاصب الغلة .

ولا يلزمه شيء في النقصان سواء كان من سببه أو من عند الله ، وهو قياس قول من يضمنه قيمته يوم الغصب فقط كأبي حنيفة وسحنون أو جعل المغصوب مضمونا على الغاصب في كل حال ، وهو قياس قول أشهب وابن المواز أو أنه إن كانت يده عليه أخذه بأرفع القيم ، وأوجب عليه رد الغلة ، وضمان النقصان سواء كان من فعله أو من عند الله ، وهو قول الشافعي أو قياس قوله أو أن جناية الغاصب على الشيء الذي غصبه هو غصب ثان متكرر منه كما لو جنى عليه ، وهو في ملك صاحبه ، وهو قياس الشبه الذي هو عمدة مشهور مذهب مالك من التفرقة بين الجناية التي تكون من الغاصب وبين الجناية التي تكون بأمر من السماء ، والمغصوب في الثاني ، وهو ما إذا كان نقص الشيء الذي غصب منه بجناية غير الغاصب عليه وهو عند الغاصب مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب ، ويتبع الغاصب الجاني وبين أن يترك الغاصب ، ويتبع الجاني بحكم الجنايات فهذا حكم الجنايات على العين في يد الغاصب .

وأما الجنايات على العين من غير أن يغصبها غاصب فإنها تنقسم عند مالك إلى قسمين جناية تبطل يسيرا من المنفعة ، والمقصود من الشيء باق فهذا يجب فيه ما نقص يوم الجناية ، وذلك بأن يقوم صحيحا ، ويقوم بالجناية فيعطي ما بين القيمتين ، وجناية تبطل الغرض المقصود فصاحبه يكون مخيرا إن شاء أسلمه للجاني ، وأخذ قيمته ، وإن شاء أخذ قيمة الجناية ، وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس له إلا قيمة الجناية ، وسبب الاختلاف الالتفات إلى الحمل على الغاصب ، وتشبيه إتلاف أكثر المنفعة بإتلاف العين ا هـ . بتخليص فتأمل ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث