الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قتل محرم صيدا فجزاه ثم قتله ثانية

المسألة الرابعة والثلاثون :

إذا قتل محرم صيدا فجزاه . ثم قتله ثانية وجب عليه الجزاء . قال علماؤنا لقوله تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا } ، ولم يفصل بين المرة الأولى والثانية ، وممن تعلق بهذا الدليل أحبار ممن لا يليق بمرتبتهم إيراد هذا الدليل على هذا الوجه ; فإن كل حكم علق بشرط لا يتكرر بتكرار الشرط ، فمن قال لزوجته : إن دخلت الدار فأنت طالق [ فإن الطلاق ] لا يتكرر بتكرار الدخول ، فإن قام دليل على تكرار الحكم بتكرار الشرط فذلك مأخوذ من الدليل القائم عليه لا من جهة الشرط المضاف إليه ; كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } فإن الوضوء يتكرر بتكرر القيام مع الحدث ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } . وها هنا تكرر الاسم بتكرر الشرط ، بقوله : { لا [ ص: 194 ] تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } . والنهي دائم مستمر عليه ، فالجزاء لأجل ذلك متوجه لازم ذمته .

فإن قيل : فقد قال : { عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه } ولم يذكر جزاء وهي :

المسألة الخامسة والثلاثون : قلنا : قوله سبحانه : { عفا الله عما سلف } يعني في الجاهلية لا الإسلام ، أو عما قبل بيان الحكم ; فإن الواقع قبله عفو . وقوله تعالى : { ومن عاد } وهي :

المسألة السادسة والثلاثون : يعني فينتقم الله منه ، وعليه بما تقدم من الدليل الكفارة .

وقال ابن عباس : لا يحكم عليه مرتين في الإسلام ، وهذا لا يصح ; لما تقدم من تمادي التحريم في الإحرام وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام .

ووجه آخر من الدليل ، وهو قوله : { ومن قتله منكم متعمدا } يعني وهو محرم ، { فجزاء مثل ما قتل من النعم } . وقد قال بقول ابن عباس الحسن وإبراهيم ومجاهد وشريح . ويروى عن سعيد بن جبير أنه سئل عن ذلك ، فقال : نعم نحكم عليه أفيخلع يعني يخرج عن حكم المحرمين ; كما قال مجاهد : إنه إذا قتله متعمدا فقد حل إحرامه ; لأنه ارتكب محظورا [ ينافي ] عبادة فيها ، فأبطلها ، كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها .

ودليلنا أن الله تعالى أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد ، وقد بينا في كتب المسائل ما يفسد الحج من محظوراته بما يغني عن إعادته ، فلا يصح اعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان شرطا ووصفا ووضعا في الأصل ، فلا يعتبر أحدهما بالآخر بحال . وقد بينا ذلك في أصول الفقه وفيما تقدم ، كما أنه قد روي عن زيد بن المعلي [ ص: 195 ] أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه ، ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته ، وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية .

المسألة السابعة والثلاثون :

ما تقدم فيه للصحابة حكم من الجزاء في صيد يبتدئ الآن الحكمان النظر فيه . وقال الشافعي : لا ينظر فيما نظرت فيه الصحابة ; لأنه حكم نفذ ، وهذا يبطل بقضايا الدين ; فإن كل حكم أنفذته الصحابة يجوز الاجتهاد فيه ثانيا . وذلك فيما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع ، وهذا أبين من إطناب فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث