الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عتق النسمة عن الميت

[ ص: 16 ] قال رحمه الله ) : وإذا اشترى الوصي نسمة ليعتقها عن الميت كتب هذا ما اشترى فلان بن فلان وصي فلان بن فلان بن فلان اشترى مملوكا يقال : له فلان الفلاني ، وهو رجل قد اجتمع بكذا درهما نسمة كان فلان بن فلان أوصى أن يشتريه بها له فيعتقها عنه ، ثم يكتب التقابض وما بعده على الرسم ، والحاصل أن الصك حكاية ما جرى ، والمقصود التوثيق فينبغي أن يكتب على أحوط الوجوه فالنسمة هي الرقبة التي تشرى للعتق ، وينبغي للوصي إذا لم يعين الموصي رقبة أن يشتري رجلا مجتمعا ; لأن معنى التقرب إنما يتم بإعتاق مثله فإن الصغير والمجنون عاجزان عن الكسب والأنثى كذلك فيصير بعد العتق عيالا على غيره ، وإذا كان رجلا قد اجتمع يتخلص من ذلك الرق ، ويتفرغ للعبادة والتكسب للإنفاق على نفسه فإنما يتم معنى الرقبة في إعتاق مثله ، وقصد الموصي التقرب وصفة الإطلاق تقتضي الكمال ، وإذا أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم فلم يبلغ ثلث ماله مائة درهم لم يعتق عنه في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يعتق عنه بالثلث رقبة ما بلغت ; لأن وجوب تنفيذ هذه الوصية لحق الموصي ، وهو قصده التقرب ; ولهذا صحت وصيته من غير تعيين النسمة فيجب تنفيذ وصيته من محلها ، ويحصل مقصوده بقدر الإمكان كما لو أوصى أن يحج عنه بمائة درهم فلم يبلغ الثلث إلا خمسين درهما يحج عنه من حيث يبلغ بالثلث .

وكذلك لو أوصى أن يصدق له من ماله بمائة وأبو حنيفة يقول : تنفيذ الوصية لغير من أوجبها له الموصي لا يجوز ، وهو إنما أوجب الوصية بنسمة قيمتها مائة درهم والتي قيمتها خمسون غير التي قيمتها مائة فلو قلنا بأنه يشتري بثلث ما يوجد كان هذا تنفيذ الوصية لغير من أوجب له الموصي ، ثم للموصي في تقدير الثمن غرض صحيح ، وهو التحرز عن إعتاق الحديث والتقرب بإعتاق أفضل الرقاب على ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام { سئل عن أفضل الرقاب فقال : أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها } والإنسان قد يرغب في ولاء عبد كثير القيمة ويتحرز عن ولاء قليل القيمة ، ففي تنفيذ هذه الوصية من الثلث إبطال مقصود الموصي ، وإلزام ولاء لم يرض بالتزامه وبهذين الحرفين يتضح الفرق بين هذا وبين الصدقة والحج وإنما نظير هذا من مسألة الحج لو أن صحيحا أمر رجلا أن يحج عنه رجلا بمائة درهم فأحج عنه رجلا بخمسين درهما وهناك يصير مخالفا ضامنا فكذلك هاهنا وعلى [ ص: 17 ] هذا الخلاف لو أوصى أن يعتق نسمة بجميع ماله فلم يجز الورثة ذلك فالوصية تبطل في قول أبي حنيفة وفي قولهما يشترى له بالثلث نسمة فتعتق عنه واستكثر من الشواهد لهما في الأصل قال : أرأيت لو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائتي درهم مائة من ماله ومائة من مال فلان لرجل أجنبي أكنت أبطل وصيته من أجل أنه سمى مال الأجنبي أرأيت لو أوصى أن يشترى له نسمة بمائة درهم أو بخمر أو خنزير أو بإنسان حر أو يزاد مع هذه المائة شيء لا يصلح من ماله أكنت أبطل الوصية لا أبطلها ، وهي جائزة من ثلثه أرأيت لو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم بعينها فإذا فيها درهم ستوقة أو أكثر لا ينفق أما كنت آمره أن يشتري بما بقي أرأيت لو تجوز بهذا البائع أما كنت آمره أن يشتري بها أرأيت لو استحق منها درهم أو هلك منها درهم أكنا نبطل الوصية قيل هذا كله على الخلاف ومن عادة محمد رحمه الله الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام وقيل : بل أبو حنيفة رحمه الله يفرق بين هذه الفصول فيقول : إذا أوصى أن يشترى نسمة بجميع ماله فلو أجازت الورثة لكان المشترى كله والعتق يكون من جهته وولاؤه له ، وإذا لم يجيزوا لو قلنا يشترى بثلثه كنا نلزمه .

ولو لم يرض بالتزامه ، وأما في مسألة ماله ومال غيره لو أجاز الغير هناك لا يكون المشترى كله له ، ولا ينفذ العتق في جميعه من جهته فليس في تنفيذ وصيته في ماله إلزام شيء لم يرض بالتزامه ، وإذا أوصى أن يعتق عنه نسمة ، وأوصى لآخر بالثلث فثلث ماله يقسم على الثلث وعلى أدنى ما يكون من قيمة النسمة ; لأن بمطلق التسمية لا يثبت إلا الأدنى فإنه هو المتيقن به وإنما يجب قسمة الثلث على مقدار ما يثبت من كل وصيته فما أصاب قيمة النسمة يعتق به النسمة ، وما أصاب الثلث فهو للموصى له بالثلث .

ولو أوصى أن يشترى عبد فلان فيعتق عنه فإنه يشترى من ثلثه ; لأن تنفيذ الوصية محلها الثلث ، وإذا امتنع صاحبه من البيع بالثلث أوقف الثلث حتى يبيعه صاحبه ; لأنه مشغول بالوصية فما دام فيه رجاء التنفيذ يجب أن يوقف الثلث عليه ، فإن مات العبد فقد انقطع رجاء تنفيذ هذه الوصية لفوات محلها فيرجع إلى الوارث ذلك إن كان سمى ما يشترى به من الثلث .

ولو أوصى إلى رجل أن يشتري له نسمة بهذه المائة بعينها فيعتقها من الثلث عنه ، فإن اشترى بها نسمة فأعتقها عنه ، ثم استحق رجل تلك المائة أو بعضها أو لحقه دين والمائة أكثر من ثلثه فالوصي ضامن لتلك المائة ; لأنه هو المشتري فالثمن مضمون في ذمته حتى يسلمها للمشتري ، ثم بما ظهر تبين أن الوصي مخالف ; لأنه اشترى بأكثر من ثلث مال الميت [ ص: 18 ] ولا يمكن تنفيذ وصيته في أكثر من ثلثه فصار مخالفا مشتريا لنفسه فالثمن دين عليه ، وإنما قضي بمال الميت دينا عليه فيضمن مثلها ، ويكون العتق عن نفسه ; لأنه أعتق ملك نفسه ، فإن خرج للميت مال لم يعلم به من دين أو عين يكون ثمن النسمة الثلث من ذلك برئ الوصي من الضمان ; لأن بما ظهر من المال تبين أن الوصي غير مخالف ، وأنه نفذ الوصية في محلها فلا يلحقه عهد ولا ضمان ، وإذا أوصى أن يباع عبده ويشترى بثمنه نسمة فتعتق عنه فباع الوصي العبد واشترى بثمنه نسمة فأعتقها ، وهو الثلث ، ثم رد العبد من عيب بعد ذلك ضمن الوصي الثمن ; لأنه هو المشتري فتتعلق حقوق العقد به ، وذلك رد الثمن عند رد المبيع عليه بالعيب ، ثم يقال بع العبد ، فإن بلغ ذلك الثمن فالعتق جائز عن الميت كما كان ; لأنه تبين أنه غير مخالف في شراء النسمة والعتق عن الميت بل هو منفذ الوصية في محلها .

وإن نقص عنه أو زاد عليه فالعتق عن الوصي ; لأنه مخالف في الوجهين أما إذا نقص ثمن العبد عما اشترى به النسمة فظاهر وكذلك إذا زاد عليه ; لأنه إنما أمره أن يعتق عنه نسمة يشتريها بثمن العبد ، وهذه نسمة اشتراها ببعض الثمن فكان غير ما تتناوله الوصية فلهذا كان مشتريا لنفسه في الوجهين والعتق عنه ويشتري بالثمن نسمة أخرى فيعتقها عن الميت .

ولو لم يرد العبد بالعيب ، ولكن استحق رجع المشتري على الوصي بالثمن ; لأنه هو الذي قبض منه بحكم البيع الثمن فكان العتق عن الوصي نفسه ; لأنه تبين بطلان الوصية .

وإن اشترى الوصي النسمة لا يمكن تنفيذها عن الميت فكان مشتريا لنفسه على ما هو الأصل أنه متى تعذر تنفيذ الشراء على من اشترى له ينفذ على العاقد وكان العتق عن الوصي نفسه ولا يرجع على الورثة في نصيبهم بشيء من المال ; لأن الميت لم يوص في ذلك المال بشيء فكيف يرجع الوصي به ؟ ، أرأيت لو اشترى شيئا لليتيم من ميراثه أو باع له فلحقه غرم وليس لليتيم مال أكان يرجع في حصة غيره من الورثة .

ولو أوصى بأن يشترى من ثلثي ماله نسمة تعتق عنه وماله ثلثمائة فاشترى الوصي بمائة نسمة فأعتقها ، وأعطى الورثة مائتين فاستحقت النسمة وردت في الرق وقبض الوصي المائة ليشتري بها نسمة أخرى فتلفت منه مائة يرجع على الورثة بثلث ما أخذوا ليشتري به في قول أبي حنيفة وما تقدم من المقاسمة باطل ما لم يحصل مقصود الموصي ، وفي قولهما مقاسمة الوصي الورثة جائزة ولا يرجع فيما أصاب الورثة بشيء وقد بطلت الوصية ، وهذا نظير ما تقدم بيانه في الحج .

ولو أوصى أن يشترى له نسمة بعينها فتعتق عنه فاشتراها الوصي ، ثم ماتت فقد بطلت الوصية ; لأنها وقعت لشخص بعينه فلا يمكن تنفيذها لشخص آخر وقد فات محل الوصية [ ص: 19 ] فتبطل الوصية وكذلك لو جنت جناية قبل أن تعتق فدفعت بها بطلت الوصية لفوات محلها ، وهو ملك الموصي .

ولو فداها الورثة كانوا متطوعين في الفداء وتعتق عن الميت ; لأنها طهرت عن الجناية وبقيت على ملكه محلا لوصيته والورثة ما كانوا مجبورين على الفداء فكانوا متبرعين فيه ; لأن النسمة باقية على ملك الموصي حكما فكأنهم فدوها من الجناية في حياة الموصي .

ولو أوصى بعتق أمة له تخرج من ثلثه كان حالها كذلك ، فإن ولدت النسمة أو الأمة قبل أن تعتق فالولد رقيق للورثة ; لأن الوصية بالعتق لا تسري إلى الولد فإن فيه إلزام الميت الولاء ، وإنما التزم الميت ولاء الأمة لا ولاء ولدها والأمة قبل أن تعتق مبقاة على حكم ملك الميت فيفصل منها الولد لذلك إلا أن الورثة لا يملكونها لكونها مشغولة بوصية الميت ، وذلك غير موجود في الولد فكان الولد للورثة ، وإن كانت النسمة والأم ذات رحم محرم من الورثة لم تعتق بذلك حتى تعتق عن الميت ; لأن اشتغالها بالوصية يمنع انتقالها إلى الوارث بل هي مبقاة على حكم ملك الميت ; ولهذا كان ولاؤها له إذا عتقت عنه .

ولو أعتقها بعض الورثة عن نفسه كان العتق عن الميت ; لأن العتق في هذه العين مستحق عن الميت وما يكون مستحقا على المرء في عين بجهة فعلى أي وجه أتى به يقع عن الوجه المستحق وتصريحه بخلافه باطل ، وكذلك لو قال : أنت حرة إن دخلت الدار أو قال : بعد موتي لم تكن مدبرة ، ولكنها تعتق عن الميت إن دخلت الدار ومات القائل ; لأن الوارث في حكم المالك لها بدليل أنه يملك بدلها وزوائدها وكسبها إلا أنه لا يجعل مالكا فيما فيه إبطال وصية الموصي ، فأما فيما فيه تنفيذ وصيته فيجعل الوارث كالمالك فيصح منه تعليق عتقها بموته أو بشرط آخر ، وعند وجود الشرط يجعل كالمنجز لعتقها فيعتق عن الميت وبه فارق الوصي فإنه إذا علق عتقها بالشرط لم يصح التعليق ; لأن الوصي غير مالك لها ، وإنما يتصرف بحكم التفويض والمفوض إليه ينجز العتق والمأمور بالتنجيز إذا علق العتق بالشرط كان ذلك منه باطلا .

ولو قال لها الوارث : أنت حرة على ألف درهم إن قبلت فقبلت فهي حرة بغير شيء ; لأنها لا تعتق لوجود الشرط ، وإنما تعتق بجهة الوصية عن الميت ، وكان ذلك بغير جعل .

ولو أوصى أن تعتق نسمة عن شيء واجب عليه من ظهار أو غيره ، فإنها تعتق من ثلثه ; لأنه لا يجب الإعتاق عنه بعد موته بغير وصية فإذا أوصى كان معتبرا من ثلثه كالتطوعات ، وكذلك الزكاة وحجة الإسلام وقد بينا هذا فيما سبق .

ولو أوصى بعتق نسمة فاشتريت له أو بعتق أمة له تخرج من الثلث فجنى عليها جناية فالأرش للورثة ; لأن الأرش بمنزلة الولد في كونه [ ص: 20 ] فارغا عن الوصية فالوارث بمنزلة المالك لها فيما هو فارغ عن وصية الميت فكان كسبها للورثة لهذا المعنى .

ولو زوجوها لم يجز ; لأن ولاية التزويج تثبت لملك الرقبة وهم لا يملكون رقبتها لكونها مشغولة بالوصية ، فإن دخل بها الزوج سقط الحد للشبهة ، ووجب المهر ، وكان ذلك بمنزلة ولد ولدته فيكون للورثة .

ولو أوصى إلى رجل يبيع عبده هذا ، ويتصدق بثمنه على المساكين فباعه الوصي ، وقبض الثمن فهلك عنده ، ثم استحق العبد كان أبو حنيفة مرة يقول : يضمن الوصي ، ولا يرجع على أحد بشيء ; لأن الوصية قد بطلت باستحقاق العبد ، والوصي هو الذي قبض الثمن فيضمن مثله للمشتري ، ولا يرجع على الورثة بشيء ; لأن الميت ما أوصى بشيء مما وصل إلى الورثة ، ثم رجع وقال : يرجع الوصي بما يضمن من الثمن في مال الميت ، وهو قولهما ; لأن الوصي في هذا البيع كان عاملا للميت فما يلحقه من العهدة بسبب عمله يرجع به على الميت ، ويكون ذلك بمنزلة الدين له يستوفيه من جميع ماله وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله إنه يرجع بقدر ثلث ماله مما يغرم ; لأنه إنما لحقه هذا الغرم باعتبار وصية الميت ومحل الوصية الثلث فلهذا يقتصر رجوعه على ثلث مال الميت والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث