الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مقدمة

يمر المسلمون اليوم بفترة من أقسى فترات التحدي الحضاري في تاريخهم الطويل، ويبلغ هـذا التحدي مداه في مجال العلوم والتقنية حيث تخلفت الدول الإسلامية تخلفا ملحوظا، بينما تقدمت المعارف في هـذين المجالين تقدما مذهلا خلال القرن الحالي بصفة عامة، وفي النصف الأخير منه بصفة خاصة، مما ميز عصرنا بأنه عصر الصواريخ ورحلات الفضاء، وعصر الذرة والطاقة النووية، وعصر الإلكترونات والحواسيب الإلكترونية، أو بصفة أعم عصر العلوم والتقنية، وهذه مجالات لم تدخلها معظم الدول الإسلامية بعد، أو دخلتها بجهود فردية محدودة لا تكاد تساير تقدم العصر في ذلك، مما تسبب في وجود هـوة شاسعة تفصل الدول الإسلامية (في زمرة الدول النامية " عن الدول المتقدمة علميا وتقنيا، في زمن يتضاعف حجم المعلومات فيه مرة كل عشر سنوات تقريبا، وتتسارع القدرة على تجديد الإمكانات التقنية كل ثلاث سنوات..

ففي النصف الأول من القرن العشرين استمرت النهضة العلمية والتقنية التي بدأت في القرن التاسع عشر في نموها، وظهرت صناعة السيارات، كما عرفت صناعة النفط وتقنيات تكريره وتصنيعه، وتم اختراع الطائرة وتطويرها حتى أصبحت من أقوى أسلحة الحرب، وأفضل وسائل الانتقال المدنية، وتطورت صناعة اللدائن والأنسجة الصنعية، وتمت ميكنة الزراعة وتحسين المحاصيل عن طريق الأبحاث المكثفة في كل من علم الوراثة وعلم كيمياء [ ص: 21 ] التربة، وأدخلت المخصبات الزراعية والمبيدات الحشرية كأساليب جديدة في تحسين الزراعة.

وفي نفس الفترة تقريبا تطورت صناعة الراديو كوسيلة من وسائل الاتصالات المدنية والعسكرية، وبدأت تجارب أولية لفكرة التلفاز وعرفت صناعة السينما.

وقد تأثر التقدم التقني بالحربين العالميتين الأولى والثانية كما أثر فيهما، فتم تصنيع المدفعية بعيدة المدى, والرشاشات ذاتية الحركة (الأوتوماتيكية) ، والغواصات، والتوربيدات، والدبابات، والعربات المصفحة، والطائرات المقاتلة والنفاثة، والصواريخ، والأجهزة المستخدمة للموجات الصوتية (من مثل الراديو) ، كما تم تطوير الأسلحة الكهربائية وصنع القنبلة الذرية.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية (1945م) تزايدت معدلات التقدم العلمي والتقني فأقيمت المفاعلات النووية كمصدر من مصادر الطاقة في البوارج الحربية والغواصات، ثم في محطات توليد الطاقة، كما حدثت ثورة هـائلة في الهندسة الكهربائية والإلكترونية باختراع الترانزيستور في سنة 1948م مما ساعد على عمل الشبكات الكهربائية والإلكترونية المعقدة في مساحات صغيرة للغاية، وأعان على تطوير كل من الحواسيب الإلكترونية وأجهزة التحكم الآلي بسرعة مذهلة.

وقد تم تجميع أول حاسوب إلكتروني في سنة 1946م، إلا أن هـذه الصناعة قد تطورت بشكل رهيب في ربع القرن الأخير، كما تم استحداث كل من أشعتي الليزر والميزر واستخدامها في الصناعات الحربية والطبية وفي الأبحاث العلمية.

وفي مجال الطب وصناعات الدواء تم استخدام المضادات الحيوية على نطاق واسع، كما دخلت جراحة نقل الأعضاء إلى جسم الإنسان حيز التنفيذ [ ص: 22 ] بنجاح.

وكانت أعظم الإنجازات التقنية لهذه الفترة هـي رحلات الفضاء، وقد بدأت بتجارب الصواريخ الموجهة. وأثمرت بإطلاق الاتحاد السوفييتي للقمر سبوتنك – في 1 أكتوبر 1957م، ثم بإرسال الولايات المتحدة الأمريكية برجل إلى سطح القمر في 20 يوليو 1969م، وابتداء من سنة 1980م تم فحص كواكب المجموعة الشمسية عن قرب بواسطة مركبات فضاء غير مأهولة.

كذلك فقد قامت أقمار الاتصالات الصنعية بثورة في عالم الاتصالات التليفونية والراديوية والتلفازية عبر العالم، وفي الكشف عن الكثير من الثروات الأرضية، ومكافحة الآفات الزراعية بطريقة الاستشعار عن بعد، وما تزال الجهود تبذل من أجل تحقيق فكرة إقامة محطات فضائية متعددة لعلها تسمح بتنقل الإنسان عبر فضاء المجموعة الشمسية في المستقبل غير البعيد...

وكان من أبرز معطيات هـذه الثورة العلمية والتقنية المعاصرة، ومن أبرز أسباب نجاحها ربط هـذين الرافدين الهامين من روافد المعرفة البشرية (وهما العلم والتقنية) برباط وثيق، لا تستطيع التقنية فيه أن تنفصل عن العلم، ولا يستطيع العلم فيه أن يتقدم بغير تقنيات دائمة التطور، وذلك في ظل إدارة عصرية منضبطة، وتنظيم دقيق لجمع المعلومات وتوثيقها فيما يعرف اليوم باسم ثورة المعلومات.

في غمرة هـذا التقدم العلمي والتقني المذهل تخلف العالم الإسلامي تخلفا شديدا بعد أن حمل لواء المعرفة العلمية والفكرية والصناعية لعشرة قرون كاملة (من القرن السادس الميلادي إلى مشارف عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي) .

فقد أسقطت الخلافة الإسلامية في سنة 1924م، بعد احتلال مساحات كبيرة من أرض المسلمين، كما تم تمزيق هـذا الجسد الواحد إلى أكثر من خمسين [ ص: 23 ]

دولة متباينة المساحة وتعداد السكان، بالإضافة إلى أقليات منتشرة في كل دولة من الدول غير الإسلامية، تفوق أعدادها مئات الملايين في بعض هـذه الدول.

كما فقد العالم الإسلامي دولة ألبانيا وغالبيتها الساحقة من المسلمين، وفقد المسلمون أجزاء كثيرة عزيزة على نفوسهم مثل فلسطين ، وولايتي جامو وكشمير والجمهوريات الإسلامية، التي ضمها الاتحاد السوفييتي، والولايات الإسلامية في كل من الصين والهند والفليبين .

وقد أدى هـذا التفتيت المتعمد إلى تشتيت المقومات المادية والروحية والطاقات البشرية للمسلمين، في وقت أخذ العالم فيه الاتجاه إلى التوحد في تكتلات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى، ولم تعد فيه إمكانية لوجود مستقل لأية تجمعات بشرية يقل تعدادها عن مائة إلى مائة وخمسين مليون نسمة.

وقد أدى تفتيت العالم الإسلامي إلى إفقاره فقرا شديدا على الرغم من ثرواته البشرية والطبيعية الهائلة، فالغالبية العظمى من سكان الدول الإسلامية اليوم (باستثناء الدول النفطية) تعيش تحت الحد الأدنى للكفاف اللازم لصون كرامة الإنسان، ففي تصنيف الأمم المتحدة قسم العالم إلى دول متقدمة تشمل الدول الصناعية الكبرى والمتوسطة وتمثلها 37 دولة أوروبية وأمريكية وآسيوية يبلغ تعدادها حوالي ألف ومائة مليون نسمة (أي ربع سكان العالم تقريبا) ودول نامية فقيرة ودول معدمة تشمل ثلاثة أرباع سكان العالم بتعداد يفوق ثلاثة آلاف مليون نسمة، وتقع غالبية دول العالم الإسلامي المعاصر في مجموعتي الدول النامية الفقيرة والدول المعدمة، فمن بين ست وثلاثين دولة معدمة في العالم تقع 25 دولة إسلامية معاصرة في زمرتها، وقد صنفت هـذه الدول المعدمة على أساس أن إجمالي الدخل القومي للفرد كان أقل من مائة دولار أمريكي في السنة، وأن نسبة الأمية فيها 80% أو أكثر، وأن نصيب الصناعة من إجمالي الدخل القومي لا يتعدى 10%. [ ص: 24 ] كما أدى تفتيت العالم الإسلامي إلى انقسامه إلى دول متخمة بالثراء إلى حد البطر وأخرى معدمة إلى حل الفاقة، وبسبب انتشار الفقر أهملت عمليات التنمية البشرية والمادية، فقد أهمل التعليم، وبإهماله تفشت الأمية، وأهملت الرعاية الصحية وبذلك تفشت الأمراض وساءت الأحوال الصحية، كما أهملت التنمية الزراعية والصناعية والاجتماعية، وبإهمالها تقلص الاقتصاد، وزادت الديون، وغرقت الأمة في الربا ولم يعد هـنا مجال للأخذ بأسباب التقدم العلمي أو التقني.

ويرجع السبب الرئيسي في فقر الدول الإسلامية إلى هـذا التفتيت الذي لم يجعل لأي منها القدرة على القيام بذاتها. فغالبية الدول الإسلامية المعاصرة لا تمثل كيانات حقيقية نمت من خلال التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى التاريخي الطويل كما تنمو الدول عادة، ولكنها في غالبيتها كيانات، رسمت حدودها الراهنة القوى الاستعمارية العالمية، وحافظت عليها لتبقى الأمة على هـذه الصورة من التفتت الذي لا يمكن أيا منها من تشكيل وحدة اجتماعية، اقتصادية متكاملة أو شبه متكاملة.

وإمعانا في هـذا التفتيت فقد وظفت القوى الاستعمارية –وما تزال- مبررات الفرقة كلها بين هـذه الكيانات الممزقة من خلافات حدودية وسياسية وقبلية وعرقية، ومذهبية وغيرها في الإبقاء على فرقتها وإشعال الحروب الباردة والساخنة بينها.

وبهدف الحيلولة دون قيام أدنى قدر من التعاون بين الأشقاء، ودون تحرك المال الإسلامي بين الدول الإسلامية على شكل استثمارات تعين على تنشيط عملية التنمية، قامت الدول الكبرى بترتيب سلسلة من الانقلابات العسكرية، والانقلابات المضادة لتحدث جوا من عدم الاستقرار السياسي والفوضى الاقتصادية، التي لا تشجع على تحرك أية أموال بينها، حتى لا تجد فوائض الدول الغنية فيها طريقها إلا إلى خزائن وبنوك الدول الكبرى. [ ص: 25 ]

وقد أدى إفقار الدول الإسلامية إلى تفشي الأمية بين البالغين من أبنائها بصورة مزعجة، تتراوح نسبتها بين 50-80% بمتوسط حوالي 58%، بينما تقل نسبة الأمية في الدول الغنية عن 2% ولا تتعدى هـذه النسبة 45% في المتوسط في دول العالم الثالث مما يعني بوضوح أن أعلى نسبة للأمية بين البالغين في العالم اليوم هـي في الدول الإسلامية.

وبالإضافة إلى الفقر والأمية كان للتخلف السياسي في الدول الإسلامية المعاصرة أثره البالغ في تخلفها عمليا وتقنيا؛ لأن ازدهار العلم يحتاج إلى مناخ من الاستقرار والحرية، حيث يسود الاستبداد السياسي معظم دول العالم الإسلامي تدعمه القوى الدولية الكبرى بطريق مباشر أو غير مباشر، وإن لم يعمل دعاة الإصلاح في الأمة الإسلامية على إقامة أنظمة شرعية على أساس من بيعة صحيحة من أهل الحل والعقد، أو من انتخابات نزيهة يشترك فيها كل الشعب، وإذا لم يعملوا على وجود تيار عام في الأمة يرفض الظلم والاستعباد كما يرفض الوصاية على الشعوب فلا أمل في أي إصلاح أو تقدم علمي وتقني منشود.

ومن عوامل تخلف المسلمين علميا وتقنيا إهمال دراسات العلوم والهندسة وبإهمال هـذه الدراسات ندرت الخبرات العلمية والتقنية، وبندرتها تخلفت الأمة، وتبلغ نسبة العلماء والتقنيين إلى مجموع تعداد السكان في الدول الإسلامية اليوم رقما لا يكاد أن يذكر إذا قورنت بنسبتهم في الدول المتقدمة علميا وتقنيا إذا تتراوح هـذه النسبة 20 في المليون ( بنجلاديش ) و190 في المليون ( مصر ) ، بينما تتراوح عند غير المسلمين بين 4300 في المليون (الكتلة الغربية) و8200 في المليون (الكتلة الشرقية) ، ويبلغ متوسط تلك النسبة في الدول النامية بصفة عامة حوالي 100 في المليون.

وفي الوقت الذي تنفق فيه الدول الكبرى ما بين 2% و4% من إجمالي ناتجها القومي على عمليات توظيف البحث العلمي من أجل التنمية فإننا نجد إنفاق الدول الإسلامية (كجزء من الدول النامية) لا يتعدى 0.3% على ضخامة [ ص: 26 ] الدخول القومية في الدول الكبرى وضآلتها في الدول النامية، وعلى ذلك فإن مجموع إنفاق الدول النامية لا يمثل أكثر من 1.6% من مجموع إنفاق دول العالم على عمليات البحث العلمي وتوظيفه في تطوير التقنية.

بالإضافة إلى ما سبق فإن قيام مختلف المؤسسات العلمية والتقنية في الدول الإسلامية المعاصرة على أنماط مستوردة قد أدى إلى غرابة هـذه المؤسسات في بيئاتها وغرابة خريجيها، وإلى العديد من الحواجز الاجتماعية التي حالت بين هـذه المؤسسات وبين تحديد أهداف واضحة لها، كما حالت بين قيام خريجيها بواجباتهم كاملة في مجتمعاتهم.

كما أن استمرار الدول الإسلامية في الاعتماد على جامعات الغرب والشرق في تكوين طاقاتها العلمية المتخصصة قد حال دون قيام محاولات جادة لتأسيس قواعد ذاتية راسخة للبحث العلمي والتقنية فيها...

وكذلك كان في انعدام التنسيق والتعاون بين مختلف المؤسسات العلمية والتقنية في العالم الإسلامي المعاصر ضياع وتشتيت للجهود والأموال الموظفة في خدمة هـذه القضية، كما كان في انعدام وجود الحوافز المادية والمعنوية الكافية صرف للناس عن هـذه التخصصات، ومدعاة إلى هـجرة كثير من العلماء والتقنيين لمراكزهم ولبلادهم، وقد أعان على هـذه الهجرة للكفاءات العلمية والتقنية عدم توفر وسائل البحث العلمي والتقني، والقوى الفنية المساندة والخدمات المكتبية والتوثيقية المتطورة في كثير من الدول الإسلامية، فمنذ بداية الستينات وحتى منتصف السبعينيات فقدت الدول النامية قرابة الأربعمائة ألف متخصص رحلوا إلى الدول الصناعية الكبرى، وهذه الطاقات المفقودة تمثل خسارة سنوية للدول النامية تقدر بحوالي اثنين وأربعين مليارا من الدولارات.

ومن أخطار استمرار هـجرة الكفاءات العلمية والتقنية من دول العالم الإسلامي إلى الدول الكبرى زيادة تخلف هـذه الأمة وإعاقة محاولات التنمية [ ص: 27 ] فيها، وزعزعة معنويات العلماء والتقنيين العاملين بها.

وإن من أبرز عوامل هـذا التخلف استمرار اعتماد الجامعات والمعاهد الفنية ومراكز البحوث في كثير من الدول الإسلامية على الأساتذة والفنيين من غير المسلمين، واستمرار عملية تمييزهم عن المسلمين، واستمرار تسليم المراكز القيادية في معظم جامعات ومعاهد الدول الإسلامية إلى أقل الناس تأهلا لتحمل أمانة المسئولية، واستمرار اعتمادها على الاستيراد من الدول الأخرى بدلا من التكامل فيما بينها.

هذه الأسباب المادية مجتمعة أدت إلى تخلف العالم الإسلامي عن مسيرة التقدم العلمي والتقني، فإذا أضيف إليها العديد من الأسباب المعنوية ومنها غياب التطبيق الصحيح للإسلام، والفهم الدقيق لرسالة الإنسان، والشعور بمعنى الأخوة الإسلامية في ظل من الصراع الشديد بين دعاه التغريب ودعاة التأصيل، وفي ظل فيض من الشعور الداخلي عند كثير من المسلمين المعاصرين بالانهزام والتخلف والضعف أمام التكتلات العالمية الكبرى، وفي غياب البيئة الصالحة للتقدم العلمي والتقني ومن أبرز مقوماتها الاستقرار السياسي والحرية الفردية والجماعية، هـذه الأسباب جميعا كانت من وراء تخلف المسلمين اليوم عن الركب، وقد استعرضت من قبيل تشخيص الداء بحثا عن الدواء، لا من قبل تثبيط الهمم وإطفاء الحماس؛ لأن الأمة الإسلامية على الرغم من كل ذلك لا تزل تملك من القدرات البشرية والروحية، والإمكانات المادية لو اجتمعت ما يؤهلها لقيادة الإنسانية وإنقاذها من الهاوية التي تتردى فيها اليوم خاصة وأن بيدها من نور الإسلام وهدي خاتم الأنبياء والمرسلين ما يعينها على ذلك، وأن الدول الكبرى التي زادها التقدم العلمي والتقني ثراء ورفاهية وقوة، قد زادها اضمحلال الوازع الديني، وجفاف النبع الروحي، وفقدان الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هـذه الحياة، زادها ذلك كله في الوقت نفسه تحللا وتفسخا وانحطاطا وتميعا مما جعل مجتمعاتها تتآكل من داخلها على الرغم من إطار التقدم العلمي والتقني الذي تعيش فيه. وليس أدل على ذلك من استخدام ذلك كله [ ص: 28 ] استخداما غير منضبط بأية قيم دينية أو أخلاقية مما أدى إلى استنزاف كثير من الموارد الطبيعية، وإلى الإسراف المخل في الإنتاج، والتبديد للكثير من الطاقات والأموال، والإغفال غير المسئول للعديد من عواقب التصنيع من مثل تلويث الهواء والماء والتربة، والتهديد باختلال الاتزان المناخي للأرض، وبحدوث تغيرات جذرية في الطقس وفي أنظمة الحماية المختلفة للأرض من ويلات الجسيمات الكونية المتسارعة والإشعاعات المهلكة، وإلى العبث بقضايا الهندسة الجينية، وإلى تعقيد آلة الحرب بصورة مرعبة، وإلى تكديس السلاح الفتاك بكميات تزيد مرات عديدة عن اللازم لتدمير الحياة فوق هـذا الكوكب (من مثل الأسلحة الكيميائية والجرثومية والذرية والصواريخ الحاملة للرءوس النووية وغيرها من الأسلحة التقليدية المتطورة ووسائل الدمار المختلفة) ، هـذا كله بالإضافة إلى تكدس الناس في المدن الكبرى وانعكاساته على الأفراد والجماعات وعلى أعصابهم وأخلاقهم وعلاقاتهم وإلى فقدان الإنسان لذاته وحريته وتوجهه توجها ماديا صرفا خاليا من معاني الروح قد أدى إلى انقسام الناس حيال قضية التقدم العلمي والتقني إلى موقفين متعارضين تماما، أولهما يرى ضرورة مسايرة الركب مهما كانت نتائج ذلك، انطلاقا من الاعتقاد الخاطئ بأن هـذا هـو قدر الإنسانية وعليها أن تسير فيه حتى النهاية، بينما يرى أصحاب الموقف الثاني ضرورة وقف عجلة التقدم العلمي والتقني وهجر مختلف منجزاتها، والعودة بالإنسان مرة أخرى إلى الطبيعة وحجتهم في ذلك أن النتائج الأساسية لعملية التقدم العلمي والتقني كانت زيادة في بطالة اليد العاملة، وفي قلق الإنسان، واضطراب أعصابه، واعتلال صحته، وضياع ذاته، وزيادة في عبوديته للآلة، وانجرافه في تيار المادة، وتخليه عن قيمه الروحية ومثله العليا، وزيادة في تكدس الأسلحة واستنزاف موارد الطاقة، وزيادة في انتشار الجوع وندرة الغذاء، وتصاعد معدلات التضخم والغلاء، وزيادة في إفساد الأرض ومختلف بيئاتها بصورة يستحيل معها الإصلاح من مثل التلوث الحراري الكيميائي والإشعاعي، وتكدس مخلفات العمليات الصناعية وزيادة معدلات الضجيج وتأثير ذلك كله على الإنسان [ ص: 29 ] وصحته وأعصابه ومختلف مراكز الحس فيه، وعلى بيئته وجميع صور الحياة فيها.

وهنا يبرز التساؤل: هـل يجوز لإنسان هـذا العصر أن يلقي بثروته العلمية والتقنية الهائلة بهذه البساطة؟ وهل يمكن لمثل هـذا الموقف السلبي أن يشكل الرد السليم على سوء استغلال الإنسان لمعطيات التقدم العلمي والتقني؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هـو البديل؟.

وللإجابة على ذلك نؤكد على أن التقدم العلمي والتقني هـو من ضرورات الوجود الإنساني على الأرض، ومن ثم فإن موقف الرفض له –على نبل دوافعه- هـو موقف سلبي لا يقره العقل ولا يقبله منطق الحياة، وفي الوقت نفسه فإن تلك البدهيات ذاتها ترحم استخدام معطيات العلوم والتقنية للإفساد في الأرض، واستنزاف ثرواتها وتلويث بيئاتها، ومن هـنا يتضح أن البديل المطلوب هـو تطور علمي وتقني يصاحبه التزام أخلاقي يكون الضابط لعدم استخدام معطيات العلوم والتقنية في أعمال الهدم التي يعاني منها عالمنا المعاصر.

والأخلاق لا يمكن أن تكون صناعة بشرية، بل لا بد لها من صياغة ربانية كاملة ومن هـنا فالضابط الأخلاقي المطلوب لا بد وأن ينطلق من تعاليم دينية صحيحة، والدين كذلك لا يمكن أن يكون صناعة بشرية لأنه يقوم في الأصل على عدد هـائل من الحقائق الغيبية التي لا تخضع لحس الإنسان وبالتالي فلا بد له فيها من بيان رباني صحيح لا يداخله أدنى قدر من العمل البشري.

ولما كان الإسلام متمثلا في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هـو الرسالة السماوية الوحيدة الموجودة بين أيدي الناس باللغة نفسها التي نزل بها والتي تعهد الله بحفظها فحفظت فإن البديل المطلوب لمشاكل التقدم العلمي والتقني المعاصر هـو تطور علمي وتقني في ظل من الإيمان الصحيح بالله بالمفهوم الإسلامي

الشامل الدكتور /زغلول راغب النجار [ ص: 30 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث