الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سياق ما روى النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الوحي وصفته وأنه بعث وأنزل إليه وله أربعون سنة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 833 ] سياق

ما روى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابتداء الوحي ، وصفته ، وأنه بعث وأنزل إليه وله أربعون سنة

1406 - أخبرنا عبيد الله بن أحمد ، أخبرنا الحسين بن إسماعيل ، أخبرنا يعقوب الدورقي قال : ثنا روح بن عبادة قال : ثنا هشام قال : ثنا عكرمة عن : \ح\ :

1407 - وأخبرنا محمد بن الحسين الفارسي ، أخبرنا أبو مروان عبد الملك بن شاذان الجلاب - بمكة - قال : ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال : ثنا روح بن عبادة ، ثنا هشام بن حسان ، عن عكرمة : عن ابن عباس قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين سنة ، فمكث بمكة ثلاثة عشر يوحى إليه ، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة .

أخرجه البخاري .

1408 - أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال : أخبرنا أحمد بن سعيد قال : ثنا محمد بن يحيى الذهلي قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : أخبرني عروة : عن عائشة : \ح\ :

1409 - وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن خيران قال : ثنا عبد الله بن محمد بن الأشقر قال : ثنا الحسين بن مهدي قال : أخبرنا عبد [ ص: 834 ] الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال أخبرني عروة : عن عائشة ، قالت : أول ما بدأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت به مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه - وقال الحسين في حديثه - الخلاء .

فكان يأتي حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد - ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق ، وهو في غار حراء .

فجاءه الملك ، فقال : اقرأ . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني . فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني . فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ... ) حتى بلغ : ( ما لم يعلم ) . قال : فرجع بها يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال لها : [ ص: 835 ] زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال : يا خديجة ، ما لي ؟ فأخبرها الخبر ، وقال : قد خشيت علي . قالت له : كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي - وهو ابن عم خديجة أخي أبيها - وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي قد كتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي .

فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . فقال ورقة : يا ابن أخي ، ما ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى . فقال ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني أكون فيها جذعا أكون حيا حين يخرجوك قومك . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أو مخرجي هم ؟ قال ورقة : نعم لم يأت أحد قط بما جئت به إلا عودي ، وأوذي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .

ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منها تبدى له جبريل - عليه السلام - فقال : يا محمد ، إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع .

[ ص: 836 ] فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدا له جبريل - عليه السلام - فيقول له مثل ذلك
. واللفظ لحديث حسين بن مهدي . أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق .

1410 - أخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن يعقوب قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : قرئ على يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أن مالكا ، حدثه هشام بن عروة ، عن أبيه : عن عائشة أم المؤمنين أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشد علي فيفصم عني ، وقد وعيت - قال : - وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول " . قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا . أخرجه البخاري ومسلم .

1411 - أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال : أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي قال : ثنا محمد بن يحيى الذهلي قال : ثنا عبد الرزاق ، عن [ ص: 837 ] معمر ، عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة ، عن جابر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : " فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء ، والأرض فجثيت منه رعبا . فرجعت ، فقلت : زملوني فدثروني فأنزل الله ( ياأيها المدثر ) إلى قوله ( والرجز فاهجر ) - وهي الأوثان - قبل أن تفرض الصلاة " أخرجه البخاري ومسلم .

1412 - أخبرنا أحمد بن عبيد قال : أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر قال : ثنا أحمد بن سنان قال : ثنا يزيد بن هارون قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة خمس عشرة سنة : سبعا يرى الضوء ، ويسمع الصوت ، وثمانيا يوحى إليه ، وأقام بالمدينة عشرا " . أخرجه مسلم .

[ ص: 838 ] 1413 - أخبرنا علي بن محمد بن عمر ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : ثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان قال : ثنا عبد الله بن نمير قال : ثنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد قال : ثنا أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق المحاربي قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين بسوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء ، وهو ينادي بأعلى صوته : " يا أيها الناس ، قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا " ورجل يتبعه بالحجارة قد أدمى كعبيه وقدميه وهو يقول : يا أيها الناس ، لا تطيعوه فإنه كذاب . قلت : من هذا ؟ قالوا : غلام من بني عبد المطلب . قلت : من هذا الذي معه يتبعه يرميه ؟ قالوا : هذا عمه عبد العزى - وهو أبو لهب - .

1414 - أخبرنا عيسى بن علي قال : أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي قال : ثنا داود بن عمرو قال : ثنا ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن ربيعة بن عباد : \ح\ :

1415 - وأخبرنا علي بن محمد بن عمر ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : ثنا يونس بن عبد الأعلى المصري قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : [ ص: 839 ] أخبرني ابن أبي الزناد ، عن أبيه قال : أخبرني ربيعة بن عباد - رجل بني الديل وكان جاهليا فأسلم - قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية بسوق ذي المجاز وهو يمشي بين الناس وهو يقول : " يا أيها الناس ، قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا " . قال : مرارا يرددها والناس منقصفون عليه يتبعونه وإذا رجل أحول وضيء ذو غديرتين وضيء الوجه ، يقول : إنه صابئ كذاب .

فسألت : من هذا وراءه ؟ قالوا لي : هذا عمه أبو لهب . قال لي ربيعة : وأنا يومئذ أزفر القربة لأهلي ، يقول : ذلك مبلغي يومئذ من السن
.

1416 - أخبرنا أحمد بن عمر بن محمد قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن زياد قال : حدثني محمد بن يحيى بن فارس قال : ثنا بهلول بن مورق أبو غسان ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن سعيد بن خالد القارضي .

عن ربيعة بن عباد رأيت أبا لهب بعكاظ وهو يتبع رسول الله [ ص: 840 ] - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أيها الناس ، إن هذا فرعون فلا يصدنكم عن دين آبائكم ، وهم يلوذون به وهو على أثره ونحن نتبعه الغلمان كأني أنظر إليه أحول أبيض الناس وأجملهم .

1417 - أخبرنا علي بن عمر بن إبراهيم ، ثنا إبراهيم بن منصور بن عبد الله الدبيلي قال : ثنا محمد بن علي بن زيد قال : ثنا سعيد بن منصور قال : ثنا الحارث بن عبيد الإيادي ، عن سعيد بن إياس الجريري ، عن عبد الله بن شقيق : عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرس فنزلت ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من القبة وقال : " يا أيها الناس قد عصمني الله - عز وجل - من الناس " .

[ ص: 841 ] 1418 - أخبرنا عبيد الله بن أحمد ، أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال : ثنا يوسف بن موسى قال : ثنا جعفر بن عون ، ثنا سفيان : \ح\ :

1419 - وأخبرنا محمد بن عبد الله بن الحسين ، أخبرنا جعفر بن أحمد بن كعب الخزاز قال : ثنا علي بن حرب قال : ثنا جعفر بن عون قال : ثنا سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون : عن عبد الله بن مسعود ، قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ظل الكعبة فقال أبو جهل - لعنه الله - وأناس من قريش وقد نحر جزور ورمي ناحية مكة ... فأوتي بسلاها فطرحت بين كتفيه فجاءت فاطمة فطرحته عنه ) .

فلما انصرف - وكان يستحب الثلاث - قال : " اللهم عليك بقريش ثلاثا بأبي جهل بن هشام ، وبعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وبأمية بن خلف ، وبعقبة بن أبي معيط " . قال عبد الله : فلقد رأيتهم قتلى في قليب بدر
. أخرجاه جميعا .

[ ص: 842 ] 1420 - أخبرنا عيسى بن علي ، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي قال : ثنا خلف بن هشام قال : ثنا داود بن عبد الرحمن العطار قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم أنه حدثه جابر بن عبد الله : \ح\ :

1421 - وأخبرنا أحمد بن عبيد ، أنا علي بن عبد الله بن مبشر ، ثنا أحمد بن سنان ، ثنا عبد الأعلى بن حماد ، ثنا داود بن عبد الرحمن العطار ، ثنا ابن خثيم ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم ، أنه : حدثه جابر بن عبد الله : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبث - في حديث خلف مكث - عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم بمجنة ، وعكاظ ومنازلهم بمنى : " من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة " . ، فلا يجد أحدا يؤويه وينصره حتى إن الرجل ليدخل صاحبه من مصر واليمن فيأتيه قومه ، أو ذو رحمه فيقولون : احذر فتى قريش لا يفتنك ، يمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله ، يشيرون إليه بأصابعهم حتى بعثنا الله له من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به - زاد عبد الأعلى : فيقرئه القرآن - فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام .

ثم بعثنا الله فائتمرنا واجتمع سبعون رجلا منا ، فقلنا : حتى متى نرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زاد عبد الأعلى يطوف في جبال مكة - ويخاف ، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدنا شعب العقبة .

[ ص: 843 ] فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده ، فقلنا : يا رسول الله ، علام نبايعك ؟ قال : " تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط ، والكسل وعلى النفقة في العسر ، واليسر وعلى الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب ، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ، وأزواجكم وأبناءكم ، ولكم الجنة " . فقمنا نبايعه ، وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو أصغر السبعين رجلا إلا أنا - فقال : رويدا يا أهل يثرب ، إنه لم تضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله عند إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف ، فإما أنتم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم ، وعلى قتل خياركم ، وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه ، وأجركم على الله .

- وفي حديث عبد الأعلى : أجركم على الله - . وإما أنتم تخافون أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر لكم عند الله . قالوا : أمط عنا يدك يا سعد بن زرارة ، فوالله لا نذر هذه البيعة ، ولا نستقيلها . فقمنا إليه نبايعه رجلا فرجلا فيأخذ علينا شرطه ويعطينا على ذلك الجنة
.

[ ص: 844 ] 1422 - أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال : أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي قال : ثنا محمد بن يحيى الذهلي قال : ثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير : أن عائشة قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتينا فيه طرفي النهار بكرة ، وعشيا ، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد ولقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة : فقال ابن الدغنة : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي . فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ؛ إنك تكسب المعدم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، فارجع فاعبد ربك ببلدك .

فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر . فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال : إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، تخرجون رجلا يكسب المعدم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، وليصل فيها ما شاء بفناء داره .

فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء قريش وأبناؤهم متعجبون ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم .

[ ص: 845 ] فقالوا : إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره ، وإنه قد جاوز ذلك وابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلى الصلاة والقرآن ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، فإنه إن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فتسأله أن يرد عليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان .

قالت عائشة : فأتى أبا بكر ابن الدغنة فقال : يا أبا بكر ، قد علمت الذي عقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترجع إلي ذمتي ؛ فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له .

فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله ، ورسول الله يومئذ بمكة . أخرجه البخاري ومسلم .

1423 - أخبرنا عبد الله بن محمد بن أحمد ، وعبد الرحمن بن عمر بن أحمد - واللفظ له - قالا : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن إسحاق المصري قال : ثنا الربيع بن سليمان قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرنا سليمان بن بلال ، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، قال : سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة : " أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام .

فقال أولهم : هو هو ؟ [ ص: 846 ] وقال أوسطهم : هو خيرهم . وقال آخرهم : خذوا خيرهم . فكانت تلك . فلم يرهم حتى جاءوا إليه ليلة أخرى فلم يعلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل - عليه السلام - ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه ، ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة ، فحشا به صدره وجوفه وعاد يده ، ثم أطبقه .

ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا ؟ قال : هذا جبريل . قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد - صلى الله عليه وسلم - . قالوا : بعث إليه ؟ قال : نعم . قالوا : مرحبا وأهلا ، استبشر أهل السماء لا يعلم أهل السماء ما يريد الله في الأرض حتى يعلمهم ، فوجد في سماء الدنيا آدم فقال جبريل : هذا أبوك آدم ، فسلم عليه فرد عليه ، وقال : مرحبا وأهلا بابني فنعم الابن أنت .

فإذا هم في السماء الدنيا بنهرين يطردان ، فقال : ما هذان النهران يا جبريل ؟ قال : هذان النيل والفرات - عنصراهما - . ثم مضى به في السماء ، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ [ ص: 847 ] وزبرجد فيذهب يشم ترابه فإذا هو مسك . قال : يا جبريل ما هذا النهر ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك تعالى ذكره . ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فقالت له الملائكة مثل ما قالت له في الأولى : من هذا معك ؟ قال : محمد . قالوا : أوقد بعث ؟ قال : نعم . قالوا : مرحبا به وأهلا . ثم عرج به إلى السماء الثالثة . فقالوا مثل ما قيل له في المرة الأولى والثانية . ثم عرج به إلى الرابعة . فقالوا له مثل ذلك . ثم عرج به إلى الخامسة . فقالوا مثل ذلك . ثم عرج إلى السادسة . فقالوا له مثل ذلك . ثم عرج به إلى السابعة . فقالوا له مثل ذلك . وكل سماء فيها أنبياء - وسماهم أنس - فوعيت منهم : إدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة ، لم أحفظ اسمه ، وإبراهيم [ ص: 848 ] في السادسة ، وموسى في السابعة - بفضل كلام الله - عز وجل - له - فقال موسى : لم أظن أن يرفع علي أحد ، ثم علا به فيما لا يعلمه إلا الله حتى جاء به سدرة المنتهى . ودنا الجبار رب العزة وعلا فتدلى حتى كان منه قاب قوسين ، أو أدنى . فأوحى إليه خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة . ثم هبط حتى بلغ موسى واحتبسه فقال : يا محمد ، ما عهد إليك ربك ؟ قال : عهد إلي خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة . قال : إن أمتك لا تستطيع فارجع فليخفف عنك وعنهم . فالتفت إلى جبريل يستشيره في ذلك فأشار إليه : أن نعم إن شئت . فعلا به جبريل - عليه السلام - حتى أتى الجبار تبارك وتعالى ، وهو في مكانه ، فقال : يا رب خفف عنا ؛ فإن أمتي لا تستطيع . فوضع عنه عشر صلوات . ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات احتبسه عند الخامسة ، فقال : يا محمد ، قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمسة فضيعوه ، وتركوه ، وأمتك أضعف أجسادا ، وقلوبا ، وأبصارا ، وأسماعا فارجع فليخفف عنك ربك .

كل ذلك يلتفت إلى جبريل يستشيره ، فلا يكره ذلك جبريل فيرفعه فرفعه عند الخامسة ، فقال : يا رب ، إن أمتي ضعاف أجسادهم ، وقلوبهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم فخفف عنا .

[ ص: 849 ] فقال تبارك وتعالى : " إني لا يبدل القول لدي ، هي كما كتبت عليك في أم الكتاب ، ولك بكل حسنة عشر أمثالها وهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس " . فرجع إلى موسى فقال : كيف فعلت ؟ قال : خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. فقال : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذه فتركوه فارجع فليخفف عنك أيضا . قال : قد والله استحييت من ربي - عز وجل - مما أختلف إليه . قال : فاهبط بسم الله
. أخرجاه جميعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث