الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 296 ] ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية

فيها كان السيل الجحاف بمكة ; لأنه حجف على كل شيء مر به ، وحمل الحجاج من بطن مكة والجمال بما عليها ، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه ، وبلغ الماء إلى الحجون وغرق خلق كثير ، وقيل : إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت ، والله أعلم .

وحكى ابن جرير عن الواقدي أنه قال : كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون الجارف . فالله أعلم . والمشهور أنه كان في سنة تسع وستين ، كما تقدم .

وفيها قطع المهلب بن أبي صفرة نهر بلخ ، وأقام بكش سنتين صابرا مصابرا للأعداء من الأتراك ، وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها ، وقدم عليه في غبون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج ، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ، ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من حروب ابن الأشعث .

وفي هذه السنة جهز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما ; لقتال [ ص: 297 ] رتبيل ملك الترك ; ليقتصوا منه ما كان من قتل جيش عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية ، فجهز أربعين ألفا من كل من المصرين عشرين ألفا ، وأمر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدا ، حتى إنه كان يقول : ما رأيته قط إلا هممت بقتله .

ودخل ابن الأشعث يوما على الحجاج وعنده عامر الشعبي ، فقال : انظر إلى مشيته ، والله لقد هممت أن أضرب عنقه . فأسرها الشعبي إلى ابن الأشعث ، فقال ابن الأشعث : وأنا والله لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء .

والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجيوش ، وبذل فيهم العطاء ، ثم اختلف رأيه فيمن يؤمر عليهم ، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فقدمه عليهم ، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث ، فقال للحجاج : إني أخاف أن تؤمره فلا يرى لك طاعة إذا جاوز جسر الفرات . فقال : ليس هو هنالك ، هو لي أهيب ، ومني أرهب أن يخالف أمري ، أو يخرج عن طاعتي ، فأمضاه عليهم ، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل ، فلما بلغ رتبيل مجيء ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه رتبيل يعتذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية ، وأنه كان لذلك كارها ، [ ص: 298 ] وأنهم ألجئوه إلى قتالهم ، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحه ، وأن يبذل للمسلمين الخراج ، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك ، وصمم على دخول بلاده ، وجمع رتبيل جنوده ، وتهيأ له ولحربه ، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدا أو مدينة ، أو أخذ قلعة من بلاد رتبيل استعمل عليها نائبا من جهته ، وجعل معه من يحفظها ، وجعل المسالح على كل أرض ومكان مخوف ، فاستحوذ على بلاد ومدن كثيرة من بلاد رتبيل ، وغنم أموالا كثيرة جزيلة ، وسبى خلقا كثيرة ، ثم حبس الناس عن التوغل في بلاد رتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد ، ويتقووا بما فيها من المغلات والحواصل ، ثم يتقدموا في العام المقبل إلى أعدائهم ، فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروهم في مدينتهم - مدينة العظماء - على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها ، ثم يقتلون مقاتلتهم ، وعزموا على ذلك ، وكان هذا هو الرأي .

وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح ، وما صنع الله لهم ، وبهذا الرأي الذي رآه لهم ، وقال بعضهم : كان الحجاج قد وجه هميان بن عدي السدوسي إلى كرمان مسلحة لأهلها ; ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى ذلك ، فعصى هميان ومن معه ، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث ، فهزمه وأقام بمن معه .

[ ص: 299 ] ومات عبيد الله بن أبي بكرة ، فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة ، وجهز إلى ابن الأشعث جيشا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم ، وكان يدعى هذا الجيش جيش الطواويس ، وأمره بالإقدام على رتبيل ، فكان من أمره معه ما تقدم .

قال الواقدي ، و أبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان . وقال غيرهما : بل حج بهم سليمان بن عبد الملك . وكان على الصائفة في هذه السنة الوليد بن عبد الملك ، وعلى المدينة أبان بن عثمان ، وعلى المشرق بكماله الحجاج ، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث