الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب القراض

القراض والمقارضة والمضاربة بمعنى ، وهو أن يدفع مالا إلى شخص ليتجر فيه ، والربح بينهما . ودليل صحته إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، وفيه ثلاثة أبواب .

الأول : في أركان صحته ، وهي خمسة .

[ الركن ] الأول : رأس المال ، وله أربعة شروط .

الأول : أن يكون نقدا ، وهو الدراهم والدنانير المضروبة ، ودليله الإجماع . ولا يجوز على الدراهم المغشوشة على الصحيح ، ولا على الفلوس على المذهب .

قلت : قد ذكر الفوراني في جواز القراض على ذوات المثل وجهين ، وهذا شاذ منكر ، والصواب المقطوع به : المنع . والله أعلم .

الشرط الثاني : أن يكون معلوما . فلو دفع إليه ثوبا وقال : بعه وقد قارضتك على ثمنه ، لم يجز .

الشرط الثالث : أن يكون معينا . فلو قارض على دراهم غير معينة ، ثم أحضر في المجلس وعينها ، قطع القاضي والإمام بجوازه ، كالصرف والسلم ، وقطع البغوي بالمنع . ولو كان له دين على رجل ، فقال لغيره : قارضتك على ديني على فلان ، فاقبضه واتجر فيه ، أو قارضتك عليه لتقبض وتتصرف ، أو اقبضه فإذا قبضته فقد قارضتك عليه ، لم يصح ، وإذا قبض العامل وتصرف فيه ، لم يستحق الربح المشروط ، بل الجميع لرب المال ، وللعامل أجرة مثل التصرف إن كان قال : إذا قبضت فقد [ ص: 118 ] قارضتك . وإن قال : قارضتك عليه لتقبض وتتصرف ، استحق أجرة مثل التقاضي والقبض أيضا . ولو قال للمديون : قارضتك على الدين الذي لي عليك ، لم يصح القراض ، بل لو قال : اعزل قدر حقي من مالك ، فعزله ، ثم قال : قارضتك عليه ، لم يصح ، لأنه لم يملكه . فإذا تصرف المأمور فيما عزله ، نظر ، إن اشترى بعينه للقراض ، فهو كالفضولي يشتري لغيره بعين ماله . وإن اشترى في الذمة ، فوجهان . أصحهما عند البغوي : أنه للمالك ، لأنه اشترى له بإذنه . وأصحهما : عند الشيخ أبي حامد : للعامل ، لأن المالك لم يملك اليمين . وحيث كان المعزول للمالك ، فالربح ورأس المال له لفساد القراض ، وعليه الأجرة للعامل . ولو دفع كيسين في كل ألف ، وقال : قارضتك على أحدهما ، فوجهان . أحدهما : يصح ، لتساويهما . وأصحهما : المنع ، لعدم التعيين .

قلت : فعلى الأول يتصرف العامل في أيهما شاء ، فيتعين للقراض . والله أعلم .

ولو كانت دراهمه في يد غيره وديعة ، فقارضه عليها ، صح ، ولو كانت غصبا ، صح على الأصح ، كما لو رهنه عند الغاصب . وعلى هذا ، لا يبرأ من ضمان الغصب كما في الرهن .

قلت : معناه : لا يبرأ بمجرد القراض . أما إذا تصرف العامل فباع واشترى ، فيبرأ من ضمان الغصب ، لأنه سلمه بإذن المالك ، وزالت عنه يده ، وما يقبضه من الأعواض ، يكون أمانة في يده ، لأنه لم يوجد منه فيها مضمن . والله أعلم .

الشرط الرابع : أن يكون رأس المال مسلما إلى العامل ، ويستقل باليد عليه والتصرف فيه . فلو شرط المالك أن يكون الكيس في يده ويوفي منه الثمن إذا اشترى العامل شيئا ، أو شرط أنه يراجعه في التصرفات ، أو مشرفا نصبه ، [ ص: 119 ] فسد القراض . ولو شرط أن يعمل معه المالك بنفسه ، فسد على الصحيح . وقال أبو يحيى البلخي : يجوز على سبيل المعاونة والتبعية . ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك ، فوجهان . ويقال : قولان . الصحيح الذي عليه الأكثرون : صحته ، لأن العبد مال ، ولمالكه إعارته وإجارته ، فيكون في معنى إذن المالك في استخدامه . هذا إذا لم يصرح بحجة على العامل ، فأما إذا قال : على أن يعمل معك غلامي ولا تتصرف دونه ، أو يكون بعض المال في يده ، فيفسد قطعا . ولو شرط أن يعطيه بهيمة يحمل عليها ، جاز على المذهب . ولو لم يشرط عمل الغلام معه ، ولكن شرط ثلث الربح له والثلث لغلامه ، والثلث للعامل ، جاز . وحاصله : اشتراط ثلثي الربح لنفسه ، نص عليه في " المختصر " .

فرع

قال المتولي : لو كان بينه وبين غيره دراهم مشتركة ، فقال لشريكه : قارضتك على نصيبي منها ، صح ، إذ ليس له إلا الإشاعة ، وهي لا تمنع صحة التصرف . قال : ولو خلط ألفين بألف لغيره ، ثم قال صاحب الألفين للآخر : قارضتك على أحدهما وشاركتك في الآخر ، فقبل ، جاز ، وانفرد العامل بالتصرف في ألف القراض ، ويشتركان في التصرف في باقي المال ، ولا يخرج على الخلاف في الصفقة الواحدة تجمع عقدين مختلفين ، لأنهما جميعا يرجعان إلى التوكيل بالتصرف .

فرع

لا يجوز جعل رأس المال سكنى دار ، لأنه إذا لم يجعل العرض رأس مال ، فالمنفعة أولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث