الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة . قاله الواقدي .

وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج إليه أهلها ، فتلقوه ، وحفوا به ، ودخلوا بين يديه ، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج ، فلم يمكنهم من ذلك ، فعدلوا إلى القصر ، فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة أمر بالسلاليم فنصبت على قصر الإمارة ، فأخذه ، واستنزل مطر بن ناجية ، وأراد قتله ، فقال له : استبقني; فإني خير من فرسانك . فحبسه ، ثم استدعاه فأطلقه وبايعه ، واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة ، وانضم إليه من جاء من أهل البصرة ، وكان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب ، وأمر بالمسالح من كل جانب ، وحفظت الثغور والطرق والمسالك .

ثم إن الحجاج ركب فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر ، حتى مر بين القادسية والعذيب ، وبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصرين ، فمنعوا الحجاج من نزول القادسية ، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة ، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم ، ومعه جنود كثيرة ، وفيهم القراء من المصرين ، وخلق من [ ص: 319 ] الصالحين ، وكان الحجاج بعد ذلك يقول : قاتل الله ابن الأشعث ، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قرة ، ونزل هو بدير الجماجم . وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل ، ممن يأخذ العطاء ، ومعهم مثلهم من مواليهم ، وقدم على الحجاج في غبون ذلك أمداد كثيرة من الشام ، وخندق كل من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقا ، يمتنع به من الوصول إليهم ، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا في كل يوم ، حتى أصيب من رءوس الناس خلق من قريش وغيرهم ، واستمر هذا الحال مدة طويلة ، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان ، فقالوا له : إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم ، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان ، وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان ، ومعهما جنود كثيرة جدا ، وكتب معهما كتابا إلى أهل العراق يقول لهم : إن كان يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته ، وأبقيت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام ، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرا ما عاش وعشت ، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان . وقال في عهده هذا : فإن لم يجب أهل العراق إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه ، وإليه إمرة الحرب ، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره ، لا يخرجون [ ص: 320 ] عن رأيه في الحرب وغيره .

ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به ، شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدا ، وعظم شأن هذا الرأي عنده ، وكتب إلى عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك ، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان فلما سألهم : ما تريدون؟ قالوا : نزع سعيد بن العاص ، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يفلح ، كان الله لك فيما ارتأيت ، والسلام عليك .

قال : فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق كما أمر ، فتقدم عبد الله ومحمد ، فنادى عبد الله : يا معشر أهل العراق ، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وإنه يعرض عليكم كيت وكيت ، فذكر ما كتب به أبوه معه إليهم من هذه الخصال . وقال محمد بن مروان : وأنا رسول أخي أمير المؤمنين إليكم بذلك . فقالوا : ننظر في أمرنا غدا ، ونرد عليكم الخبر عشية ، ثم انصرفوا ، فاجتمع جميع الأمراء إلى ابن الأشعث ، فقام فيهم خطيبا ، [ ص: 321 ] وندبهم إلى قبول ما عرض عليهم من عزل الحجاج عنهم ، وبيعة عبد الملك ، وإبقاء الأعطيات ، وإمرة محمد بن مروان على العراق بدل الحجاج . فنفر الناس من كل جانب ، وقالوا : لا والله لا نقبل ذلك; نحن أكثر عددا وعددا ، وهم في ضيق من الحال ، وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا ، والله لا نجيب إلى ذلك أبدا . ثم جددوا خلع عبد الملك بن مروان ثانية ، واتفقوا على ذلك كلهم .

فلما بلغ عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان الخبر قالا للحجاج : شأنك بهم إذا ، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين . فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة ، ويسلم هو أيضا عليهم بالإمرة ، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها ، كما كان قبل ذلك ، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب ، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليمان الكلبي ، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي ، وعلى الخيل سفيان بن الأبرد ، وعلى الرجالة عبد الرحمن بن حبيب الحكمي ، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي ، وعلى الميسرة الأبرد بن قرة التميمي ، وعلى الخيالة عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة ، وعلى الرجالة محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري ، وعلى القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي ، وكان في القراء سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكميل بن زياد - وكان شجاعا فاتكا على [ ص: 322 ] كبر سنه - وأبو البختري الطائي وغيرهم .

وجعلوا يقتتلون في كل يوم ، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم ، من العلف والطعام وغيره ، وأما أهل الشام الذين مع الحجاج ففي ضيق من العيش ، وقلة من الطعام ، وقد فقدوا اللحم بالكلية فلا يجدونه ، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها ، حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم ، أو يوم بعد يوم ، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام ، وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم ، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم ، واستقتلوا ، وكانوا من أصحاب ابن الأشعث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث