الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في التطوع في السفر

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في التطوع في السفر

550 حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن صفوان بن سليم عن أبي بسرة الغفاري عن البراء بن عازب قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر شهرا فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر قال وفي الباب عن ابن عمر قال أبو عيسى حديث البراء حديث غريب قال وسألت محمدا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد ولم يعرف اسم أبي بسرة الغفاري ورآه حسنا وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها وروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع في السفر ثم اختلف أهل العلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرأى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتطوع الرجل في السفر وبه يقول أحمد وإسحق ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلى قبلها ولا بعدها ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر

التالي السابق


قوله : ( عن صفوان بن سليم ) ، بضم السين مصغرا ثقة ، ( عن أبي بسرة ) بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة الغفاري ، مقبول من الرابعة كذا في التقريب ، وقال في الخلاصة [ ص: 95 ] وثقه ابن حبان . وقال في قوت المغتذي : بضم الموحدة وسكون السين المهملة تابعي لا يعرف اسمه ولم يرو عنه غير صفوان بن سليم ، وليس له في الكتب إلا هذا الحديث عند المصنف وابن ماجه ، وربما اشتبه على من يتنبه له بأبي بصرة الغفاري بفتح الباء وبالصاد المهملة ، وهو صحابي اسمه حميل بضم الحاء المهملة مصغرا ، انتهى .

قوله : ( ثمانية عشر سفرا ) بفتح السين المهملة والفاء ، قال الحافظ العراقي : كذا وقع في الأصول الصحيحة ، قال : وقد وقع في بعض النسخ بدله شهرا وهو تصحيف كذا في قوت المغتذي ( فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر ) ، الظاهر أن هاتين الركعتين هما سنة الظهر ، فهذا الحديث دليل لمن قال بجواز الإتيان بالرواتب في السفر ، قال صاحب الهدى : لم يحفظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر انتهى . قال الحافظ في الفتح متعقبا عليه : ويرد على إطلاقه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال : سافرت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثمانية عشر سفرا فلم أره ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر وكأنه لم يثبت عنده . لكن الترمذي استغربه ونقل عن البخاري أنه رآه حسنا . وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر ، انتهى .

قوله : ( وفي الباب عن ابن عمر ) قد روي عنه في هذا الباب روايتان وسيجيء تخريجهما .

قوله : ( حديث البراء حديث غريب ) أخرجه أبو داود وسكت عنه .

قوله : ( وروي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها ) . أخرجه البخاري ومسلم من طريق حفص بن عاصم قال : صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين ثم جاء رحله وجلس فرأى ناسا قياما فقال : ما يصنع هؤلاء؟ [ ص: 96 ] قلت : يسبحون . قال : لو كنت مسبحا أتممت صلاتي ، صحبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان لا يزاد في السفر على ركعتين ، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك . وقد أخرجه الترمذي من وجه آخر . ( وروي عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يتطوع في السفر ) ، أخرجه الترمذي في هذا الباب ، قال بعض العلماء : هذا محمول على التذكر وما روي عنه أنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا يتطوع في السفر محمول على النسيان ، والله تعالى أعلم .

وروى مالك في الموطأ بلاغا عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد الله يتنقل في السفر فلا ينكر ذلك عليه .

قوله : ( فرأى بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتطوع الرجل في السفر وبه يقول أحمد وإسحاق ) . المراد من التطوع النوافل الراتبة ، وأما النوافل المطلقة فقد اتفق العلماء على استحبابها ، ( ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة ) ، يعني أن من قال بعدم التطوع في السفر مراده أن التطوع رخصة في السفر ، فقبل الرخصة ولم يتطوع ، وليس مراده أن التطوع في السفر ممنوع ، ( وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر ) ، قال النووي في شرح مسلم : قد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة ، فتركها ابن عمر وآخرون ، واستحبها الشافعي والجمهور ، ودليله الأحاديث العامة المطلقة في ندب الرواتب ، وحديث صلاته -صلى الله عليه وسلم- الضحى يوم الفتح بمكة وركعتي الصبح حين ناموا حتى تطلع الشمس ، وأحاديث أخرى صحيحة ذكرها أصحاب السنن ، والقياس على النوافل المطلقة .

ولعل النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر فإن النافلة في البيت أفضل ، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيها على جواز تركها ، وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى ، فجوابه أن الفريضة متحتمة . فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها ، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف ، فالرفق به أن تكون مشروعة ، ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها ، وإن شاء تركها ولا شيء عليه ، انتهى .

[ ص: 97 ] قال الحافظ في الفتح : تعقب هذا الجواب بأن مراد ابن عمر بقوله : لو كنت مسبحا لأتممت . يعني أنه لو كان مخيرا بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب عليه . لكنه فهم من القصر التخفيف ، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم ، انتهى .

قلت : المختار عندي أن المسافر في سعة ، إن شاء صلى الرواتب وإن شاء تركها ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث