الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو

الحكم الرابع

في الإنفاق

( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة )

قوله تعالى : ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة )

[ ص: 42 ] اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد ههنا فأجيب عنه بذكر الكمية ، قال القفال : قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه : ما فلان هذا ؟ فيقول : هو رجل من مذهبه كذا ، ومن خلقه كذا . إذا عرفت هذا فنقول : كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه ، سألوا عن مقدار ما كلفوا به ، هل هو كل المال أو بعضه ، فأعلمهم الله أن العفو مقبول ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : أصل العفو في اللغة الزيادة ، قال تعالى : ( خذ العفو ) [الأعراف : 199] أي الزيادة ، وقال أيضا : ( حتى عفوا ) [الأعراف : 95] أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد ، قال القفال : العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية ، يقال : خذ ما عفا لك ، أي ما تيسر ، ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسر والتسهيل ، قال عليه الصلاة والسلام : " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم " معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق ، ويقال : أعفى فلان فلانا بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة ، وهو راجع إلى التخفيف ، ويقال : أعطاه كذا عفوا صفوا ، إذا لم يكدر عليه بالأذى ، ويقال : خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر ، ومنه قوله تعالى : ( خذ العفو ) أي ما سهل لك من الناس ، ويقال للأرض السهلة : العفو . وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال : العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه ، وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) [الإسراء : 26 ، 27] وقال : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) [الإسراء : 29] وقال : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) [الفرقان : 67] وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا " وقال عليه الصلاة والسلام : " خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف " وعن جابر بن عبد الله قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها . فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال : هاتها مغضبا فأخذها منه ، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته ، ثم قال : يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها " . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة ، وقال الحكماء : الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط ، فالإنفاق الكثير هو التبذير ، والتقليل جدا هو التقتير ، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله : ( قل العفو ) ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة ، وشرع النصارى على المسامحة التامة ، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور ، فلذلك كان أكمل من الكل .

المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو ( العفو ) بضم الواو والباقون بالنصب ، فمن رفع جعل ( ذا ) بمعنى ( الذي ) وينفقون صلته ، كأنه قال : ما الذي ينفقون ؟ فقال : هو العفو ، ومن نصب كان التقدير : ما ينفقون ؟ وجوابه : ينفقون العفو .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث