وسائل الدعوة بين التوقيف والاجتهاد

08/12/2009| إسلام ويب

من المسائل والقضايا التي تعرض لها دعاة الصحوة الإسلامية قضية الوسائل الدعوية، وهل يجب أن تكون توقيفية، أم أنه يجوز اختراعها وابتكارها دون خوف من مذمة الابتداع؟

والحق الذي لا مرية فيه أن هذه المسألة من المسائل التي ينبغي ردها للكتاب والسنة، واستقراء عمل السلف وسبيلهم مع اعتبار كلام الأئمة المعتبرين من أهل السنة والجماعة.  

تعريف وسائل الدعوة
و(وسائل الدعوة) جملة مركبة من كلمتين, "وسائل" وهي مضاف، و"الدعوة" وهي المضاف إليه, ولا يعرف المقصود من هذا التركيب الإضافي إلا بعد معرفة معنى كل كلمة منه.

معنى الوسائل:
الوسائل جمع وسيلة، جاء في لسان العرب (11/752): (هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به)
فالكلمة تدور على (ما يتوصل به إلى الشيء المطلوب), وقوله في اللسان (ما يتوصل به إلى الشيء) أي كل ما من شأنه أن يوصل إلى المقصود من الطرق والأساليب والأفعال والأقوال ونحو ذلك، فكلها وسائل ويسمى كل واحد منها وسيلة .

معنى الدعوة:
الدعوة من دعا يدعو, ومعنى الكلمة يدور على (الطلب) ومنه الدعوة إلى الطعام.. وفي اللسان (14/259): (تدعى القوم دعى بعضهم بعضا حتى يجتمعوا)

والدعوة اصطلاحا: هي طلب تغيير الواقع الحياتي للناس بالقول والفعل ليكون موافقا للشريعة في جميع مناحي الحياة. كما في قوله تعالى :{هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين} (الجمعة :2)

وبهذا يكون مفهوم الدعوة أعم من مجرد إلقاء القول إلى الناس وكفى، وإن كان هذا من الدعوة بل هو أصلها, لكن ليس هذا فحسب, بل يدخل في مفهومها هذا والذي هو التبليغ, والتربية والتعليم لتكوين النماذج الإنسانية الصالحة في جميع ميادين الحياة.

وقد تكلم الناس في ماهية وسائل الدعوة وهل هي توقيفية أم اجتهادية؟ فذهب إلى كلٍّ قوم، وانتصر كل لمذهبه بما يراه موافقا له ودليلا عليه، وكل مريد للخير:

فهؤلاء يريدون صيانة الدعوة عن أن توصم بالابتداع والإحداث في الدين وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته ودعاها للالتزام بهديه وسنته والأمر بلزوم حدود ما شرع الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دون زيادة أو نقصان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم ).

وأولئك أرادوا أن يفتحوا أبواب الدعوة وأن يستعملوا كل وسيلة تفتح الباب أمام الناس لولوج الدين واتباع هدي سيد المرسلين، طالما لم يمنع الشارع منها ولم ينه عنها، وكلهم يريد مصلحة الدين وانتشار الدعوة.

مسائل مهمة:
وقبل الحديث عن حكم الوسائل لابد من ذكر أمور:
الأول: "وجوب تقديم حسن الظن بالمسلمين، وخصوصا الدعاة من كل فريق تجاه الفريق الآخر، وترك التهاجر والتجريح وألا يفزعوا إلى سلاح التبديع يشهرونه في وجه المخالف طالما لم يتبين الدليل ويظهر قول الشرع واضحا جليا.

الثاني: أن مما لاشك فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينص على بدعية كل البدع بأن عينها وبينها، لاستحالة ذلك مع تمادي الزمان وتولد المحدثات الكثيرة، فكان تنبيهه صلى الله عليه وسلم على كليات القضية وأصول الابتداع ليقيس السني بعد ذلك ويتحرى الاتباع كيفما تيسر.

الثالث: مما لاشك فيه أيضا أن جانب الابتداع مبني على الاحتياط لا التساهل، فإذا تفاوت القول في قضية بين تبديعها وعدم تبديعها فالأحوط في جنب المتحري للسنة أن يزهد فيها وأن يلتمس البراءة من الابتداع ما استطاع إلى ذلك سبيلا".(30 طريقة لخدمة الدين "بتصرف")

الرابع: أن الوسائل الدعوية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

قسم جاء في الشرع ما يدل على إباحته وشرعيته .. وهذا مشروع بلا خلاف.

وقسم في الشرع ما يدل على حرمته وعدم وشرعيته .. وهذا ممنوع بلا خلاف.

والقسم الثالث: هو الذي لم يرد في الشرع نص على قبوله أو منعه.. وهذا الذي اختلف أهل العلم في قبوله أو رده. فالذين قالوا بأن الوسائل توقيفية ردوه مطلقا.. والذين قالوا بخلاف ذلك قالوا إن لم يكن مخالفا للشريعة وأصول الديانة فلا مانع من استعماله كوسيلة دعوية.

والمتتبع للآثار النبوية والطرق المصطفوية يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعمل في دعوته كل الوسائل المتاحة، بل وربما استحدث وسائل أخرى لم تكن معلومة في وقته صلى الله عليه وسلم.. ومما لا شك فيه أيضا أن العلم الحديث قد فتح آفاقا لمخاطبة الناس وسبلا للتخاطب ووسائل للتواصل لم تكن معهودة من قبل يرى القائلون باجتهادية الوسائل الدعوية أن الرأي الآخر يحرم الدعوة منها مع عدم مصادمتها للدين أو مخالفتها للشرع القويم وأن تركها تفويت لمصالح مرجوة أو غالبة.. خصوصا وأصوليات الشريعة لا تمنع من استعمال المستجد والمستحدث إذا كان منضبطا تحت قواعدها وأصولها ولا يخرج عن منهجها القويم وطريقها السديد المستقيم، والأمثلة على ذلك أوضح من أن يستدل عليها.

فتاوى السادة العلماء حول هذه المسألة:
ومن هنا جاءت فتاوى العلماء بالتصريح بأن الوسائل الدعوية ليست توقيفية بشرط عدم مخالفة الأصول والقواعد الشرعية.. وهذه طائفة من النقول عن العلماء مع ذكر مصدر الكلام:
الشيخ عبد الله بن جبرين :
س: هل وسائل الدعوة توقيفية؟ وهل الأناشيد الإسلامية وسيلة من وسائل الدعوة؟
ليست توقيفية، فيجوز استعمال الوسائل الحديثة كطبع الكتب وكالأشرطة الإسلامية واستعمال مكبر الصوت واستعمال الإذاعة مرئية أو مسموعة واستعمال النشرات والصحف والمجلات.. فكل هذه وسائل جديدة ليست معروفة فيما سبق فتستعمل للدعوة لما فيها من الإفادة، كما أن دعاة الفساد والكفر والبدع يستعملونها ويضلون بها خلقًا كثيرًا، فواجب أهل الإسلام أن يستعملوها حتى يستفيدوا منها، وأما الأناشيد الإسلامية فإنها من وسائل الدعوة فإن الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وكثيرًا ما تؤثر القصائد الإسلامية في من سمعها بشرط أن لا يكون فيها تلحين أو تغنج أو تمايل أو تشبيب مما يلحقه بالأغاني المحرمة.  (موقع الشيخ ابن جبرين فتوى رقم (891)
http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=891&parent=786

الشيخ ابن عثيمين
السؤال: كثر الكلام في وسائل الدعوة من حيث كونها توقيفية أم لا، فما القول الفصل في هذه المسألة؟
الجواب: القول الفصل أن وسائل الدعوة ما يتوصل به إلى الدعوة ليست توقيفية، لكنه لا يمكن أن تكون الدعوة بشيء محرم كما لو قال قائل: هؤلاء القوم لا يقبلون إلا إذا طلبتم الموسيقى أو المزامير أو ما أشبه ذلك.. هذه محرمة، وأما غير ذلك فكل وسيلة تؤدي إلى المقصود فإنها مطلوبة.
https://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=113026

الشيخ صالح آل الشيخ
هل الدعوة توقيفية أم اجتهادية؟ أرجو التفصيل في ذلك.
الحمد لله، هذا السؤال كثيرا ما يرد، وله منشأ، ومنشؤه أنّ من الدعاة من جعل في دعوته أشياء من رأيه واجتهاده واتبعه عليها أناس، فأثيرت هذه المسألة هل الدعوة - يعني في وسائلها- توقيفية أم اجتهادية؟ وفي قول الله جل وعلا {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}[يوسف:108] اشتراط البصيرة بعد شرط الإخلاص، وأن من اتبعه على هذه البصيرة.

وإذا كان كذلك ففي أصل الدعوة لابد أن يكون على ما دعا إليه الدعاة والمصلحون من أهل السنة والجماعة من أئمتنا، هذا في التأصيل العام.
ومن حيث الوسائل، فوسائل الدعوة تنقسم إلى:
وسائل ظهرت حرمتها وبان بالدليل أنها لا تجوز.
وإلى وسائل ظهر أنها جائزة ومباحة، مثل هذه الأجهزة المختلفة، تأليف الكتب والتسجيل إلى آخره.
والقسم الثالث وهو مشكل وهي وسائل يختلف فيها الناظر، فينظر بعضهم إلى أنها تورث خيرا، وينظر آخر إلى أنها لا تورث خيرا، فهذه الوسائل المختلف فيها يرجع فيها أهل العلم، وإذا اختلف أهل العلم في وسيلة من هذه الوسائل، أعني بأهل العلم الراسخين، فإنها تكون مسألة اجتهادية، وإذا كانت كذلك فإنه لا يلام من أخذ بأحد القولين في الاجتهاد؛ لكن الذي يختار أن يترك المختلف فيه، يترك هذا الذي قال فيه بعض أهل العلم إنه لا يجوز، احتياطا؛ لأن الدعوة إنما يبارك فيها إذا كانت على الاتباع.
وإذا كانت مسألة ثـَـمَّ من أهل العلم من يقول لا تجوز من وسائل الدعوة، فإن تركها أقرب إلى الصواب؛ لأن تركها يمحّض الدعوة للاتباع.

http://salehalshaikh.com/?p=773

الشيخ ناصر العمر
نص السؤال: أود أن أسألكم عن شرعية وسائل الدعوة هل هي توقيفية مثلما يقوله البعض مثل المخيمات، وغيرها؟ أرجو منكم جوابا شافيا وتوجيها، وجزاك الله خيرا.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الصحيح أن وسائل الدعوة اجتهادية وليست توقيفية ولكن يجب أن تنضبط بالضوابط الشرعية العامة, ومنها أن الوسائل لها حكم الغايات, وأن الغاية لا تبرر الوسيلة, وأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب, إلى غير ذلك, كسدّ الذرائع.
لذا يجب عرض كل وسيلة جديدة على العلماء الذين يبيّنون حكمها, ومن تأمل عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من خير القرون وجد كثيراً من الوسائل المستحدثة دون نكير.
وكثير من الذين يقولون إن وسائل الدعوة توقيفية يستخدمون وسائل مستحدثة, وهم بهذا يتناقضون, ويحّرمون على غيرهم ما أجازوه لأنفسهم, وتعوذ بالله من الجهل والهوى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
http://almoslim.net/node/110583

www.islamweb.net