
من المجاز الشائع في كلام العرب حذف المضاف من الكلام وإقامة المضاف إليه مقامه، وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب، قال أبو علي الفارسي: "ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات، وجاحد المحسوسات". وقال الرازي: "حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه مجاز مشهور، يقال: ضرب الأمير فلاناً، وأعطاه، والمراد أنه أمر بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه". وقال أيضاً: "وحذف المضاف مجاز شائع". وقال الشيخ رشيد رضا: "هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف، وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازاً".
ثم إن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه يندرج في باب المجاز، قال ابن عطية: "وحذف المضاف هو عين المجاز، أو معظمه، وهذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر".
والقرآن الكريم جاء على سَنَنٍ لغة العرب، فجرى فيه أسلوب حذف المضاف، قال السيوطي في "الإتقان": "حذف المضاف هو كثير في القرآن جداً، حتى قال ابن جني: في القرآن منه زهاء ألف موضع، وقد سردها الشيخ عز الدين في كتابه "المجاز" على ترتيب السور والآيات". والطبري بعد أن ذكر مثالاً على حذف المضاف في القرآن، أردف قائلاً: "ونظائر ذلك في القرآن كثيرة". وقال ابن عاشور: "من إيجاز الحذف في القرآن حذف المضاف، وهو كثير". وقال أيضاً في موضع من تفسيره: "وقد شاع حذفه". وقال الشيخ محمد أبو زهرة: "وحذف المضاف إذا دل عليه المضاف إليه كثير في القرآن، وهو من إيجاز الحذف البليغ".
على أن حذف المضاف لا بد من دليل يدل عليه، وهذا ما ألمح إليه الزمخشري في "الكشاف" حيث قال: "لا يستقيم تقدير حذف المضاف في كل موضع، ولا يُقْدَمُ عليه إلا بدليل واضح وفي غير ملبس". وقال الرزكشي: "اعلم أن المضاف إذا عُلِمَ جاز حذفه مع الالتفات إليه، فيُعامل معاملة الملفوظ به من عود الضمير عليه، ومع اطراحه يصير الحكم في عود الضمير للقائم مقامه".
وحذف المضاف -كما ذكر المفسرون- إنما يكون لأغراض منها: التشريف، والتفخيم، والمبالغة، وقد قال الزركشي: "إنما يحسن الحذف إذا كان فيه زيادة مبالغة، والمحذوفات في القرآن على هذا النمط". ومنها: الإيجاز والاختصار، كما في قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} (يوسف:82) قال الشيخ أبو زهرة: "وإن ذلك الإيجاز من دلائل الإعجاز، وإننا نرى أن حذف المضاف، أو عدم تقديره يعلو بالكلام إلى أعلى درجات البيان".
وفيما يلي جملة من الآيات القرآنية التي قُدِّر فيها حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه:
* قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {واسأل القرية التي كنا فيها} (يوسف:82) أي: أهل القرية؛ إذ لا يصح إسناد السؤال إلى القرية، وهذا المثال هو الأبرز على أسلوب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
* قوله عز وجل: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (النحل:112) قال: {بما كانوا يصنعون} وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن (القرية) لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية، استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها، فإن المراد أهلها؛ فلذلك قيل: {بما كانوا يصنعون} فرد الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله عز وجل: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} (الأعراف:4) ولم يقل: (قائلة) وقد قال قبله: {فجاءها بأسنا} لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية.
* قوله سبحانه: {كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} (الأنعام:137) التقدير: زين لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل، كما حذف من قوله تعالى: {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير} أي: من دعائه الخير، فـ (الهاء) فاعلة الدعاء، أي: لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير.
* قوله تعالى: {يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} (الفجر:23) أي: ومن أين له منفعة الذكرى، فلا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين {يومئذ يتذكر} وبين {وأنى له الذكرى} تنافٍ، قاله الزمخشري.
* قوله عز وجل: {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} (الأعراف:153) وفي قوله: {من بعدها} في الموضعين حذف مضاف قبل ما أضيفت إليه (بعد) دل عليه {عملوا} أي: من بعد عملها.
* قوله سبحانه: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} (البقرة:51) } أي: بعد مغيبه. قال ابن عاشور: "وتقدير المضاف مع (بعد) المضاف إلى اسم المتحدث عنه شائع في كلام العرب؛ لظهوره بحسب المقام، وإذا لم يكن ما يعيِّنه من المقام، فالأكثر أنه يراد به بعد الموت، كما في قوله تعالى: {قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} (غافر:34) وقوله: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى} (البقرة:246) أي: من بعد موته.
* قوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا} (الكهف:83) المراد بالسؤال عن ذي القرنين السؤال عن خبره، فحذف المضاف إيجازاً؛ لدلالة المقام، وكذلك حذف المضاف في قوله: {منه ذكرا} أي: من خبره.
* قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} (المائدة:106) هذا هو الخبر؛ لقوله: {شهادة بينكم} تقديره: "شهادة اثنين" حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
* قوله عز وجل: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} (النساء:148) قال أبو عبيدة: هذا من باب حذف المضاف، أي: إلا جهر من ظُلِم، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
* قوله سبحانه: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} (المائدة:19) تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذف المضاف، أي: كراهة أن تعتذروا بذلك يوم القيامة، وتقولوا: ما جاءنا من رسول -بعد ما درس الدين- يبشرنا لنرغب، فنعمل بما يسعدنا فنفوز، وينذرنا لنرهب، فنترك ما يشقينا فنسلم.
* قوله تعالى: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} (المائدة:80) أي: لبئس شيئاً قدموا لمعادهم. وقوله تعالى: {أن سخط الله عليهم} هو المخصوص بالذم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ تنبيهاً على كمال التعلق والارتباط بينهما، كأنهما شيء واحد، ومبالغة في الذم.
* قوله عز وجل: {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء:176) قال البصريون: المضاف ها هنا محذوف، تقديره: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ورجح أبو علي الفارسي هذا القول بأن قال: "حذف المضاف أسوغ وأشبع من حذف (لا).
* قوله سبحانه: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} (المائدة:18) قال الرازي: فيه سؤال: وهو أن اليهود لا يقولون ذلك البتة، فكيف يجوز نقل هذا القول عنهم؟ وأما النصارى فإنهم يقولون ذلك في حق عيسى لا في حق أنفسهم، فكيف يجوز هذا النقل عنهم؟
أجاب المفسرون عنه من وجوه، واحد من هذه الوجوه: أن هذا من باب حذف المضاف، والتقدير نحن أبناء رسل الله، فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى رسول الله.
* قوله عز وجل: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} (الأعراف:166) (العتو) عبارة عن الإباء والعصيان، وإذا (عتوا عما نهوا عنه) فقد أطاعوا؛ لأنهم أبوا عما نهوا عنه، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، فلا بد من إضمار، والتقدير: فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه، ثم حذف المضاف، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهي.
* قوله سبحانه: {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون} (هود:35) معنى {افتراه} اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه، و(الهاء) ترجع إلى الوحي الذي بلَّغه إليهم، وقوله: {فعلي إجرامي} (الإجرام) اقتراف المحظورات واكتسابها، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: فعلي عقاب إجرامي.
* قوله تعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} (الأنبياء:96) المعنى: فُتِحَ سد يأجوج ومأجوج، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وأُدخلت علامة التأنيث في {فتحت} لما حذف المضاف؛ لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان بمنزلة القبيلتين.
* قوله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون} (الشعراء:72-73) قال صاحب "الكشاف": "لا بد في {يسمعونكم} من تقدير حذف المضاف، معناه هل يسمعون دعاءكم".
* قوله سبحانه: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} (المائدة:102) أي: أصبحوا بسؤالها كافرين، فحذف المضاف، ولم يكفروا بالسؤال، إنما كفروا بربهم المسؤول عنه، فلما كان السؤال سبباً للكفر فيما سألوا عنه، نسب الكفر إليه على الاتساع.
* قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} (الأنعام:91) ليس المعنى تخفونها إخفاء كثيراً، ولكن التقدير: تخفون كثيراً من إنكار ذي القراطيس، أي: يكتمونه فلا يُظهرونه، كما قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} (البقرة:159) ويدل له قوله: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} (المائدة:15).
هذه جملة من الأمثلة القرآنية على أسلوب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وبها يستبين أن هذا الأسلوب من الحذف جارٍ في القرآن في كثير من مواضعه، لأغراض تقدم ذكرها.