فكاك الأسير في السنة النبوية

30/11/2025| إسلام ويب


من الواجبات الكفائية التي يجب أن يسعى فيها مجموع الأمة لتحقيقها وإسقاط الحرج عن الكل هو فكاك أسرى المسلمين من أيدي أعدائهم، ببذل النفوس والأموال والجهود، ولا سيما في ظل ما يتعرض له أسرى المسلمين من التعذيب المهين الذي يخشى منه الفتنة عليهم في دينهم، فهذا من الفروض التي لا يسقط الحرج عن المسلمين إلا بحصول الكفاية فيها، وإلا وقع الإثم على الجميع.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع، ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. انتهى.
ولذلك ورد الأمر بالسعي في فك الأسير مِنْ أَسْرِه على سبيل الوجوب المتحتم على مجموع الأمة، كما في صحيح البخاري عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فُكُّوا العَانِي، وأجيبوا الداعي، وعُوْدوا المريض».
وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة عن علي رضي الله عنه: " هل عندكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمة إلا أن يُعطِيَ اللهُ عبداً فَهْماً في كتابه وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «فكاكُ الأسير، والعقْلُ، وأن لا يُقتل مسلمٌ بكافر».
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس قال: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يَعْقِلوا مَعَاقِلَهُم، وأن يفدوا عانِيَهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين».

ومن الطرق المشروعة في استنقاذ أسرى المسلمين وفكاكهم: المفاداة بأسرى الكفار، فيما لو كان بيد المسلمين منهم أسرى، قال الحافظ ابن حَجَر: و لو كان عند المسلمين أسارى و عند المشركين أسارى و اتفقوا على المفاداة تعينت.
وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلا برجلين». 

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سلمة قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، قال: غزونا فزراة فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرَّسْنا، قال: فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشنينا الغارة، فقتلْنا على الماء من قتلْنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عُنُقٍ من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل، وأنا أعدو في آثارهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر رضي الله عنه، حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزرارة ، عليها قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر ابنتها، قال: فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، قال: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال لي: «يا سلمة، هب لي المرأة»، قال: فقلت: يا رسول الله، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال: «يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك»، قال: قلت: يا رسول الله، والله أعجبتني ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال: «فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة».

وقد كان تحرير الأسرى من أولويات الخلفاء والأمراء في تاريخ المسلمين، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلى من جزيرة العرب"، وفي المصنف أيضاً عنه رضي الله عنه أنه قال: "كل أسير من المسلمين كان في أيدي المشركين ففكاكه من بيت مال المسلمين".
وروى البيهقي في السنن الكبرى أن عمر بن عبد العزيز، «فدى رجلا من المسلمين من حَرَمٍ من أهل الحرب بمائة ألف».
وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: لما بعثه عمر بن عبد العزيز بفداء أسارى المسلمين من القسطنطينية قلت له: أرأيت يا أمير المؤمنين، إن أبوا أن يفادوا الرجل بالرجل كيف أصنع؟ قال عمر: «زدهم» قلت: إن أبوا أن يعطوا الرجل بالاثنين؟ قال: «فأعطهم ثلاثا» قلت: فإن أبوا إلا أربعا؟ قال: «فأعطهم لكل مسلم ما سألوك، فوالله، لرجل من المسلمين أحب إلي من كل مشرك عندي، إنك ما فديت به المسلم فقد ظفرت، إنك إنما تشتري الإسلام» قال: نعم، افدهم بمثل ما تفدي به غيرهم , قلت: النساء قال: «نعم، افدهن بما تفدي به غيرهن» قلت: أرأيت إن وجدت امرأة تنصرت، فأرادت أن ترجع إلى الإسلام؟ قال: «افدها بمثل ما تفدي به غيرها» قلت: أفرأيت العبيد أفديهم إذا كانوا مسلمين؟ قال: «افدهم بمثل ما تفدي به غيرهم» قلت: أفرأيت إن وجدت منهم من قد تنصر، فأراد أن يراجع إلى الإسلام؟ قال: «فاصنع بهم ما تصنع بغيرهم» فصالحتُ عظيم الروم على كل رجل من المسلمين، رجلين من الروم.
ونقل الصلابي في كتابه "معاوية بن أبي سفيان": أن رجلا من المسلمين أسر في عهده بالقسطنطينية، وأهين ببلاطهم، فاستغاث وامعاوياه، لقد أغفلت أمورنا، وأضعتنا، فوصل الخبر إليه عن طريق جواسيسه المتواجدين بأرض الروم، فقام بفدائه، وبأسر من أهانه، وجعل المسلم يقتص منه بمثل ما أهانه وأن لا يزيد. 
ويتأكد السعي في فكاك أسرى المسلمين في هذه الأزمنة المعاصرة لما يتعرضون له من التنكيل والتعذيب وكسر إرادتهم وفتنتهم عن دينهم، فهذا يجعل الوجوب متحتما لاستنفار الجهود والطاقات لاستنقاذ المسلمين والمسلمات من أيدي الكفار بالنفوس والأموال والدعاء، فقد روى أشهب وابن نافع عن مالك أنه سئل: أواجب على المسلمين افتداء من أُسِرَ منهم؟ قال: نعم، أليس واجب عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، فكيف لا يفدونهم بأموالهم؟.

فلا ينبغي للأمة أن تدخر جهدا أو سعيا في سبيل فكاك أسراها من عدوها، قال ابن العربي في أحكام القرآن: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين؛ فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك. قال مالك وجميع العلماء: فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد، والقوة والجلد. انتهى.

www.islamweb.net