
من الآيات المبشرات لعباد الله الصالحين ما جاء في قوله سبحانه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} (مريم:96) هذه الآية وصف لحال المؤمنين يوم القيامة بضد حال المشركين، فيكون حال إتيانهم غير حال انفراد، بل حال تَأَنُّسِ بعضهم ببعض. ولما ختمت الآية قبلها بأن المشركين آتون يوم القيامة مفردين {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} (مريم:95) وكان ذلك مشعراً بأنهم آتون إلى ما من شأنه أن يتمنى المُوَرَّط فيه من يدفع عنه وينصره، وإشعار ذلك بأنهم مغضوب عليهم، أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين الصالحين، وأنهم على العكس من حال المشركين، وأنهم يكونون يومئذ بمقام المودة والتبجيل.
وقوله عز وجل: {سيجعل لهم الرحمن ودا} للمفسرين فيه أقوال:
أحدها: سيجعل لهم الرحمان أوداء من الملائكة، كما قال تعالى: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (فصلت:31).
ثانيها: أن يجعل بين أنفسهم مودة، كما قال تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} (الأعراف:43). هذا القول والذي قبله ذكرهما ابن عاشور (ت1393هـ).
ثالثها: أنه تعالى سيحدث لهم في القلوب مودة، ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم، ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه تعالى وابتداء؛ تخصيصاً لأوليائه بهذه الكرامة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة؛ إعظاماً لهم وإجلالاً لمكانهم. قال ابن كثير مبيناً هذا المعنى: "أي يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه، ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غير وجه"؛ ففي "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني قد أبغضت فلاناً، فينادي في أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض). وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أعطى المؤمن الأُلْفَة والمَلَاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين، ثم تلا: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًّا}. وهذا القول عليه أكثر المفسرين.
قال ابن عطية (ت542هـ): "ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده"، واستدل لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد إلا وله في السماء صيت؛ فإن كان حسناُ وُضِعَ في الأرض حسناً، وإن سيئاً وُضِعَ كذلك) رواه ابن عساكر (ت571هـ) في "معجمه".
رابعها: أن الله سيجعل لهم محبة منه تعالى، قال ابن عاشور: "(الجعل) هنا كـ (الإلقاء) في قوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} (طه:39) وهذا أظهر الوجوه في تفسير (الود)، وقد ذهب فيه جماعات المفسرين إلى أقوال شتى متفاوتة في القبول".
وقد قال قتادة (ت118هـ) في قوله سبحانه: {سيجعل لهم الرحمن ودا} قال: إي والله، وُدًّا في قلوب أهل الإيمان. وإن هرم بن حيان (ت بعد26هـ) يقول: ما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم، ولفظ الحديث: (وما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع) رواه الطبراني (ت360هـ)، ونقله في "الترغيب". وفي حديث آخر: (يعطى المؤمن ودًّا في صدور الأبرار، ومهابة في صدور الفجار) فتودد الناس للعبد دليل على قبوله عند مولاه، كما في "الصحيحين": (أنتم شهداء الله في الأرض). فتودد الناس للعبد دليل على قبوله عند مولاه. وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: (ما من عبد يعمل خيراً أو شرًّا، إلا كساه الله عز وجل رداء عمله).
وعن الحسن البصري (ت110هـ)، قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أُذكر بها، فكان لا يُرى في حين صلاة إلا قائماً يصلي، وكان أولَ داخلٍ إلى المسجد وآخرَ خارجٍ، فكان لا يُعَظَّمُ، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه، فقال: لا أُراني أُذكر إلا بشرٍّ، لأجعلن عملي كله لله عز وجل، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعدُ بالقوم، فيقولون: رحم الله فلاناً الآن، وتلا الحسن: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}.
ثم ها هنا لفتات في الآية، بيانها الآتي:
- قال الرازي (ت606هـ): "السين في {سيجعل} إما لأن السورة مكية، وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة، فوعدهم الله تعالى ذلك إذا جاء الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة، يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم، وينشر من ديوان أعمالهم"، كما تقدم في حديث "الصحيحين". وقال ابن عاشور: "والأحسن في تأويل الآية أن نجعل (السين) حرف توكيد".
- قال ابن عجيبة (ت1224هـ): "لعل إفراد هذا بالوعد -يقصد (الود) المجعول للمؤمنين- من بين ما لهم من الكرامات السنية؛ لأن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تقاطع وتباغض وتضاد".
- قال الشوكاني (ت1250هـ) في "فتح القدير": "أخرج ابن مَرْدُويَه (ت410هـ) والديلمي (ت509هـ) عن البراء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: (قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودًّا، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة) فأنزل الله الآية في عليٍّ رضي الله عنه. وأخرج الحكيم الترمذي (ت نحو320هـ) وابن مردويه عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {سيجعل لهم الرحمن ودا} ما هو؟ قال: (المحبة الصادقة في صدور المؤمنين).
- قال الشيخ أبو زُهرة (ت1394هـ): "الود المحبة من غير حمل عليها -يقصد من غير الأخذ بأسبابها- بل بانجذاب القلوب المؤمنة، فإن الإيمان يصفي قلوبهم، وينير بصائرهم، فينجذب بعضهم لبعض من غير تحبيب، بل بمقتضى الطهر الجامع. والإخلاص الذي يؤلف القلوب، ويؤاخي بين الناس. ورويَ أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن لله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء؛ لمكانهم من الله يوم القيامة)، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: (قوم تحابوا بروح من الله على غير أرحام تربطهم ولا أموال يتعاطون، والله إنهم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) ثم تلا قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (يونس:62) رواه أبو داود (ت275هـ)، وهو حديث صحيح. ولقد كانت المحبة الصادقة والمودة الرابطة قوة المسلمين في مكة، حيث لا قوة لهم من مال أو جاه أو سلطان، فقد كانت هذه المودة دافعة أبا بكر رضي الله عنه لأن يشتري الأرقاء من المؤمنين، ويعتقهم، وقد صاروا في ما بعد قوة المسلمين في الجهاد، وذوي شأن بين أهل الإيمان، وإنه من وقت زال (الود) الجامع للمؤمنين زالت وحدتهم، وذهبت قوتهم، ولا أستطيع أن أقول -والقول للشيخ أبي زهرة-: إنهم خرجوا عن الإيمان، ولكن المؤكد أنهم لم يعملوا عملاً صالحاً، بل تنابذوا وذهبت ريحهم".