وقفات مع وفد النصارى الأول

30/11/2025| إسلام ويب

في مرحلة من أصعب مراحل الدعوة، حين اشتد أذى قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، جاءت بشائر النور من حيث لا يُنتظر، وحدث ما يُعدّ نصرًا من نوع آخر.

أولًا: قدوم الوفد وإسلامهم

فقد قدم إلى مكة أول وفد من وفود النصارى، قد وفد من نصارى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكانوا رجالًا علماء، فيهم رقة القلب وصفاء الفطرة، جاءوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سمعوا عن دعوته، واطلعوا على ما جاء به من أخبار التوراة والإنجيل. جلسوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن، وتأملوا ما سمعوا، وتدبروا الآيات، فإذا بها تُحيي فيهم الإيمان الغافي، وتنبّه قلوبهم التي لم يطفئ نورَها تعصبٌ أو هوىً، فما كان منهم إلا أن ذرفت أعينهم بالدمع، وخرت قلوبهم خاشعة، ونطقوا بالشهادة معلنين إسلامهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر الله عز وجل حالهم ذلك في كتابه فقال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ (83)) [المائدة: 82-83]. وقد قال ابن كثير في تفسير الآية فقال: "قال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه". ثم كان من حال هؤلاء الوفد أن منهم من رجع إلى قومه داعيًا ومبلغًا، وبعضهم استُشهد في سبيل الله لاحقًا. 
 
ثانيًا: موقف قريش من الوفد
 
لم يرضَ طغاة قريش هذا الموقف من وفد النصارى، بل قابلوا إسلامهم بالكراهية والحنق، كان على رأسهم أبو جهل، الذي غضب أشد الغضب لما رأى وفد النصارى يعلنون إسلامهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترضهم وهم يغادرون عند باب المسجد الحرام، وقال لهم متهكمًا: "خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمأن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، فصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركباً ‌أحمق ‌منكم، أو كما قالوا لهم؛ فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيراً" ابن إسحاق في السيرة. لقد كان هذا الموقف برمّته دليلًا على أن الإسلام لم يكن محصورًا في العرب، وأن القلوب المستنيرة بنور الوحي، وإن تناءت جغرافيًا، فإنها تتلاقى على الإيمان،  وكانت تلك اللحظة من لحظات التحدي والانتصار المعنوي للدعوة، وهي التي أظهرت أن الحق يعلو وإن كره الكافرون.
 
ثالثًا: الفوائد والعبر
 
ثمة الكثير من الفوائد والعبر التي تؤخذ من مجيء هذا الوفد في وقت من أصعب الأوقات التي مرت بها الدعوة في مكة، ومن أبرز ذلك: 
1. أن دين النصرانية آنذاك لم يكن كله محرفًا أو معاديًا للحق، بل بقي فيه رجال صدق يتحرون الحق ويؤمنون به، كما قال تعالى: (وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ) [الأعراف: 159].
2. أن القلوب إذا صفَتْ أدركت الحق من غير تعصّب: إن هؤلاء النصارى ما دخلوا الإسلام تعصّبًا، ولا رغبة في دنيا، بل تأملوا، وسمعوا، وقارنوا، فرأوا في القرآن ما يوافق ما بقي في كتبهم من الحق، فعرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل، فآمنوا. قال تعالى: (ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِ هُم بِهِ يُؤۡمِنُونَ) [القصص: 52].
3. قوة الكلمة وأثر القرآن: لم يستخدم النبي صلى الله عليه وسلم سيفًا ولا ترهيبًا، وإنما قرأ عليهم القرآن، وكان ذلك كافيًا ليُحدث هذا التحول العظيم. وفي هذا درس للدعاة إلى الله تعالى بأن يعرضوا الإسلام كما هو، نقيًّا، رحيمًا، صادقًا، فالكلمة الصادقة تهزّ القلوب الحية.
4. ثبات المؤمن أمام استهزاء الكفار: موقف وفد النصارى مع أبي جهل مثال في الثبات وقوة الحجة، فإنهم لم يلتفتوا إلى سخريته، ولم ينجرّوا إلى الجدل العقيم، بل أجابوه بأدب وبيان، واختاروا طريقهم بوعي.
5. عالمية الرسالة: إن قدوم وفد من النصارى من خارج مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوته إياهم، واستجابتهم له؛ دليل على أن الرسالة ليست لقوم دون قوم، بل هي لجميع العالمين، كما قال الله: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ) [الأنبياء: 107].
6. احترام الآخر رغم الخلاف: لم يسخر رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين وفد النصارى، ولم يهاجمهم، بل دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، واحترم بحثهم عن الحق، فكان ذلك أدعى لقبولهم. والله تعالى يقول: (ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ) [النحل: 125].
7. أن الدموع لا تدل على ضعف، بل تدل على صدق الإيمان: فقد أثنى الله تعالى على دموع هؤلاء القوم الذين فاضت أعينهم من الدمع تأثرًا بالحق، فالبكاء من خشية الله علامة رقة القلب وحياة الضمير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما النار: ‌عين ‌بكت ‌من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» رواه الترمذي.
 
إن مجيء وفد النصارى الذين أسلموا بمكة يُعدّ من أعظم مشاهد الانتصار في تاريخ هذه الدعوة، وهو درس خالد في أن من طلب الحق بصدق بلّغه الله إليه، ولو اعترضه أمثال أبي جهل، فإن نور الإيمان لا تطفئه سخرية الحاقدين، ولا تهديد المتكبرين.

www.islamweb.net