
ليس رمضان محطة عابرة في تقويم العام، ولا موسمًا روحانيًا ينقضي أثره بانقضاء أيامه، بل هو لحظة فاصلة في عمر الإنسان؛ فرصة يمنحها الله لعباده ليعيدوا ترتيب أولوياتهم وأوراقهم، ويصلحوا قلوبهم، ويصححوا مسار حياتهم، ويبدؤوا بداية جديدة أكثر قربًا منه سبحانه. إنّه شهر يُذكّرنا بأن التغيير ليس حلمًا مؤجَّلًا، بل قرار يمكن أن يولد في ليلة، وينمو في ثلاثين يومًا، ويثمر عمرًا كاملًا.
وقد هيأ الله لهذا الشهر من أسباب الإعانة ما لم يجعله في غيره، فجعل أجواءه مهيّأة للرجوع إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين" [رواه مسلم]. وفي هذا البيان النبوي إشارة إلى أن موانع الخير تخف، وأن دوافع المعصية تضعف، وأن الطريق إلى الله يصبح أقرب مما كان. فالسؤال الذي ينبغي أن يطرحه المؤمن على نفسه: إن لم أتغير الآن، فمتى أتغير؟
التغيير يبدأ من الداخل
بيّن الله تعالى الحكمة الكبرى من الصيام بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. فالتقوى هي الغاية، وهي حضور مراقبة الله في القلب الذي هو ملك الجوارج فيحملها على ترك المحرمات وفعل الواجبات. والصائم حين يترك الطعام والشراب وهو قادر عليهما، إنما يتدرّب على معنى أعظم: أن يترك كل ما لا يرضي الله، ولو كان قريبًا من نفسه.
ومن هنا فإن أول ما ينبغي أن يتغير في رمضان هو علاقتنا بالله تعالى؛ أن تتحول من علاقة موسمية إلى صلة دائمة، ومن عادة متكررة إلى عبادة حاضرة. كثير من الناس لا يدعون ربهم إلا عند الشدائد، ولا يكثرون من الاستغفار إلا بعد الخطأ، فإذا جاء رمضان وجدوا في أنفسهم إقبالًا عجيبًا، ودمعة قريبة، وخشوعًا لم يعتادوه. وهذا الإقبال هدية ربانية ينبغي أن تُستثمر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" [رواه مسلم]. فهل جعلنا من سجودنا لحظة قرب حقيقية؟ وهل خصصنا لأنفسنا وقتًا نناجي فيه الله بعيدًا عن صخب الحياة؟ إن دقائق صادقة بعد كل صلاة، أو قيامًا يسيرًا في جوف الليل، قد تكون بداية تحول عميق لا يشعر به الإنسان إلا بعد حين.
رمضان والقرآن: تغيير المنهج لا مجرد التلاوة
وإذا كان رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القرآن، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185]. والهداية تعني التغيير في الفكر والسلوك، لا مجرد تحريك اللسان بالآيات.
إن كثيرًا من المسلمين يحرصون على ختم المصحف في رمضان، وهذا عمل جليل، لكن الأجلّ منه أن يختم القرآن عاداتنا، وأن تتغير أخلاقنا بآياته. فمن مرّ بقوله تعالى: {وَلَا تَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12] ثم استمر في الغيبة، فليعلم أن نصيبه من الآية لم يكتمل. ومن قرأ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] ثم بقي لسانه قاسيًا، فليجدد العهد مع القرآن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (رواه مسلم). وشفاعته تبدأ في الدنيا قبل الآخرة؛ إذ يصلح القلب، ويهذب الطبع، ويهدي السلوك. فليكن لكل واحد منا في كل يوم من أيام هذا الشهر آية يطبقها، وخلق يحرص على اكتسابه، وذنب يعزم على تركه.
مدرسة ضبط النفس وكسر العادات
ومن أعظم معاني الصيام أنه تدريب عملي على ضبط النفس. فالإنسان الذي يمتنع ساعات طويلة عن المباحات طاعةً لله، قادر بإذن الله أن يمتنع عن المحرمات. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" [رواه البخاري].
إن رمضان فرصة حقيقية لتغيير عادات رسخت في حياتنا؛ فالسهر الطويل على ما لا ينفع يمكن أن يتحول إلى وقت لقيام أو قراءة أو ذكر. والإفراط في استخدام وسائل التواصل يمكن أن يُضبط بوقت محدد لا يُتجاوز. والعصبية التي تثقل البيوت يمكن أن تهدأ حين يتذكر الصائم وصية النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم" [متفق عليه]. إنها تربية يومية على الحلم وكظم الغيظ.
حتى في الطعام والشراب، يدربنا رمضان على الاعتدال، ليعلمنا أن الإنسان ليس عبدًا لشهوته، بل قادر على قيادتها. فإذا استقام ميزان الشهوة، استقام كثير من السلوك.
البعد الاجتماعي للتغيير
ولا يقف أثر رمضان عند حدود الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع. ففيه تكثر الصدقات، وتفطير الصائمين، وفيه تلين القلوب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فطّر صائمًا كان له مثل أجره" [رواه الترمذي وصححه]. وفي هذا حث على الإحسان والتكافل.
وكم من رحم قُطعت ثم وُصلت في رمضان، وكم من خصومة انتهت على مائدة إفطار، وكم من محتاج وجد في هذا الشهر يدًا رحيمة تمتد إليه. إن تغيير علاقتنا بالناس جزء من صدق صيامنا؛ فلا يجتمع صيام صحيح مع قطيعة مستمرة، ولا عبادة خالصة مع ظلم للخلق.
قال تعالى: {فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]. فالعفو في رمضان ليس ضعفًا، بل قوة نفس وسمو خلق.
من موسم إلى منهج
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في التغيير خلال رمضان، بل في استمراره بعده. فكم من قلب رقّ في الشهر ثم قسا، وكم من عزيمة اشتعلت ثم خبت. والسبيل إلى الثبات أن نجعل لأنفسنا أعمالًا دائمة، ولو كانت قليلة، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (رواه مسلم).
فليختر كل واحد منا عبادة يداوم عليها بعد رمضان: ركعتين في جوف الليل، أو وردًا ثابتًا من القرآن، أو صدقة أسبوعية، أو صلة رحم منتظمة. وليجعل من هذا الشهر نقطة انطلاق لا محطة عابرة.
وأخيرا، فإن رمضان هدية ربانية تتجدد كل عام، لكنها لا تُعطى المعنى نفسه لكل الناس؛ فمنهم من يخرج منه كما دخله، ومنهم من يخرج بقلب جديد، وعهد صادق، وحياة مختلفة. والتغيير ليس معجزة خارقة، بل قرار صادق يتبعه عمل مستمر.
فلنجعل من رمضان هذا العام بداية حقيقية؛ نصلح فيه ما بيننا وبين الله، فنجد أثر ذلك في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا. ومن صدق في طلب التغيير أعانه الله عليه، فإن القلوب بيده سبحانه، وهو القائل في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي" (رواه الترمذي وصححه).
فطوبى لمن جعل من رمضان فرصة لا تُفوّت، وبداية رحلة لا تنقطع، ومسيرًا دائمًا إلى الله.