
ليس كل قلب ينبض حيًّا، ولا كل عينٍ مفتوحة ترى الحقيقة. فقد يمضي الإنسان بين الناس ضاحكًا، ناجحًا، حاضر الذهن، لكنه يحمل في صدره قلبًا فَقَدَ شيئًا هو أثمن من الحياة نفسها؛ فقد القدرة على التأثر. يسمع القرآن فلا يخشع، ويشهد الجنائز فلا يعتبر، ويرى الضعيف والمظلوم فلا يرق، ويكرر الذنب فلا يندم. عندها لا تكون المشكلة في السمع أو البصر، وإنما في القلب الذي أصابه الجفاف بعد أن كان قابلًا للحياة.
وهذا هو المرض الذي يخشاه الصالحون أكثر من خوفهم من الفقر أو المرض أو البلاء؛ لأن كل مصيبة يمكن أن تُعوَّض إلا إذا كانت في القلب، فهو موضع نظر الله تعالى، ومنبَع الإيمان، ومستودع اليقين، ومصدر الأعمال كلها. فإذا صلح صلح الإنسان كله، وإذا فسد لم يبق من صلاح الظاهر إلا صورة قد تخدع الناس، لكنها لا تخدع رب الناس.
ولهذا لم يكثر القرآن من الحديث عن عضو كما أكثر من الحديث عن القلب؛ لأن رحلة الإنسان إلى الله تبدأ من هناك، وأول طريق الانحراف أيضًا يبدأ من هناك.
أعظم عقوبة
من أخطر ما يلفت النظر أن القرآن لم يصور قسوة القلب على أنها مجرد صفة مذمومة، بل جعلها عقوبة تنزل بالعبد بسبب إعراضه عن ربه. قال الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه في معنى قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]: (فأخبر أن قسوة قلوبهم كانت عقوبة لهم على نقضهم ميثاق اللَّه، وهي مخالفتهم لأمره، وارتكابهم لنهيه بعد أن أُخذت عليهم مواثيق اللَّه وعهوده ألا تفعلوا ذلك).
وقال مالك رحمه الله: (ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلّا نزع الرّحمة من قلوبهم).
قلوب أقسى من الحجارة
قال سبحانه: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74].
وقد أخبر الله أن الحجارة –على صلابتها– قد تتفجر منها الأنهار، وقد يتشقق بعضها فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله، أما القلب القاسي فقد يسمع الوحي صباح مساء، فلا تتحرك فيه ذرة خشوع.
ومن هنا نفهم أن أخطر ما في قسوة القلب أنها تحرم صاحبها الانتفاعَ بالهداية، فلا يعود يرى في القرآن رسالة حياة، ولا في الذكر راحة، ولا في العبادة لذة، بل تصبح الطاعة ثقيلة، والمعصية مألوفة، والغفلة دائمة..
ولذلك جاء التحذير الإلهي شديدًا: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22].
كيف يموت القلب وهو لا يزال ينبض؟
لا تتحول القلوب إلى القسوة في لحظة واحدة، وإنما تمر برحلة طويلة من الإهمال.
ذنب صغير لا يُتبع بتوبة، ثم نظرة محرمة لا يعقبها استغفار، ثم تسويف يتكرر، ثم غفلة تطول، حتى يصبح ما كان يؤلم القلب يومًا أمرًا عاديًا لا يحرك فيه ساكنًا.
وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة تصويرًا بديعًا، فقال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}" [رواه الترمذي وحسنه].
إنها ليست نقطة سوداء على صفحة القلب فحسب، بل بداية طبقة عازلة، تعزل القلب عن التأثر بالقرآن، فإذا تراكمت الذنوب صار القلب يرى الباطل حقًا، والحق ثقيلًا، حتى تنقلب الموازين.
فليست العقوبة الكبرى مرضًا في الجسد، ولا نقصًا في المال، وإنما أن يُحرم الإنسان حياة قلبه وهو لا يشعر.
قسوة القلب وجمود العين
كل معصية تُترك بلا توبة تترك أثرًا في القلب، ولذلك لم يكن السلف يخافون من كثرة الذنوب فحسب، بل كانوا يخافون من أثرها بعد وقوعها.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
| رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ | وقد يُورثُ الذلَّ إدمانُها | |
| وترك الذنـوب حياة القلوب | وخير لنفسك عصيانهـا | |
ولهذا قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين الرحمة وسلامة القلب، فقال: "لا تُنزع الرحمة إلا من شقي" [رواه أبو داود، والترمذي].
وكان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، حتى قال الله تعالى في وصفه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
إن المجتمع الذي تقسو فيه القلوب تكثر فيه الخصومات، ويضعف فيه التعاون، وتغيب عنه الرحمة التي جعلها الله أساس العمران.
قسوة القلب... طريق إلى الخذلان
إذا كانت القلوب القاسية تعيش في الدنيا محرومة من لذة الإيمان، فإن الخطر الأعظم ينتظرها يوم يقف الناس بين يدي الله.
قال سبحانه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16].
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين).
تأمل هذا الشعور؛ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا في الآية عتابًا يستوجب مراجعة النفس، مع أنهم خير القرون، بينما يقرأها كثير منا دون أن يتساءل: هل أصاب قلبي شيء من هذه القسوة؟
كيف يعود القلب حيًّا؟
ومهما بلغت القسوة، فإن باب العلاج مفتوح، ورحمة الله أوسع من ذنوب العباد.
وأول العلاج صدق التوبة؛ فالقلب الذي أفسدته المعصية يصلحه الانكسار بين يدي الله.
ثم يأتي القرآن، فهو أعظم دواء للقلوب، وليس المقصود كثرة التلاوة فحسب، بل التلاوة التي يصحبها تدبر، وتأمل، ومحاسبة للنفس.
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23].
ومن العلاج كذلك كثرة ذكر الله؛ فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: (الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟).
وما أجمل أن يختم المؤمن رحلته مع هذا المرض بالدعاء الذي كان يردده رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" [الترمذي]؛ فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ومن أقبل على الله بصدق، لم يخيّب الله رجاءه، بل أحيا قلبه بنور الإيمان، وجعله من أصحاب القلوب السليمة التي تنجو يوم لا ينفع مال ولا بنون.