الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        4189 حدثنا علي حدثنا يحيى وزاد قالت عائشة لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال ألم أنهكم أن تلدوني قلنا كراهية المريض للدواء فقال لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم رواه ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( حدثنا علي حدثنا يحيى وزاد : قالت عائشة : لددناه في مرضه ) أما علي فهو ابن عبد الله بن المديني ، وأما يحيى فهو ابن سعيد القطان ، ومراده أن عليا وافق عبد الله بن أبي شيبة في روايته عن يحيى بن سعيد الحديث الذي قبله وزاد عليه قصة اللدود .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( لددناه ) أي جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختياره ، وهذا هو اللدود ، فأما ما يصب في الحلق فيقال له : الوجور ، وقد وقع عند الطبراني من حديث العباس " أنهم أذابوا قسطا - أي بزيت - قلدوه به " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني ، فقلنا : كراهية المريض للدواء ) قال عياض : ضبطناه بالرفع أي هذا منه كراهية ، وقال أبو البقاء : هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا الامتناع كراهية ، ويحتمل أن النصب على أنه مفعول له أي نهانا للكراهية للدواء ، ويحتمل أن يكون مصدرا أي كرهه كراهية الدواء ، قال عياض : الرفع أوجه من النصب على المصدر .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم ) قيل : فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمدا ، وفيه نظر ، لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك ، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك ، أما من باشره فظاهر ، وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه . ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه وفيه نظر أيضا لأن الذي وقع في معارضة النهي - قال ابن العربي : - أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطب عظيم ، وتعقب بأنه كان يمكن العفو لأنه كان لا ينتقم لنفسه ، والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا ، فكان ذلك تأديبا لا قصاصا ولا انتقاما . قيل : وإنما كره اللد مع أنه كان يتداوى لأنه تحقق أنه يموت في مرضه ، ومن حقق ذلك كره له التداوي . قلت : وفيه نظر ، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق ، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه ، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها ، ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( رواه ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة ) وصله محمد بن مسعد عن محمد بن الصباح عن عبد الرحمن بن أبي الزناد بهذا السند ولفظه : كانت تأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخاصرة ، فاشتدت به فأغمي عليه فلددناه ، فلما أفاق قال : هذا من فعل نساء جئن من هنا ، وأشار إلى الحبشة ، وإن كنتم ترون أن الله يسلط علي ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها علي سلطانا ، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد . فما بقي [ ص: 755 ] أحد في البيت إلا لد ، ولددنا ميمونة وهي صائمة ، ومن طريق أبي بكر بن عبد الرحمن أن أم سلمة وأسماء بنت عميس أشارتا بأن يلدوه ، ورواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أسماء بنت عميس قالت : إن أول ما اشتكى كان في بيت ميمونة ، فاشتد مرضه حتى أغمي عليه ، فتشاورن في لده فلدوه . فلما أفاق قال : هذا فعل نساء جئن من هنا - وأشار إلى الحبشة - وكانت أسماء منهن فقالوا : كنا نتهم بك ذات الجنب . فقال : ما كان الله ليعذبني به ، لا يبقى أحد في البيت إلا لد . قال : فلقد التدت ميمونة وهي صائمة وفي رواية ابن أبي الزناد هذه بيان ضعف ما رواه أبو يعلى بسند فيه ابن لهيعة من وجه آخر عن عائشة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات من ذات الجنب " ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بينهما بأن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين كما سيأتي بيانه في كتاب الطب : أحدهما ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن ، والآخر ريح محتقن بين الأضلاع ، فالأول هو المنفي هنا ، وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك " ذات الجنب من الشيطان " والثاني هو الذي أثبت هنا ، وليس فيه محذور كالأول .

                                                                                                                                                                                                        الحديث العشرون حديث عائشة .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية