الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأحاديث اشتراك الناس في الماء دليل ظاهر على المنع من بيعه ، وهذه المسألة التي سئل عنها أحمد هي التي قد ابتلي بها الناس في أرض الشام وبساتينه وغيرها ، فإن الأرض والبستان يكون له حق من الشرب من نهر ، فيفصل عنه ، أو يبنيه دورا وحوانيت ، ويؤجر ماءه ، فقد توقف أحمد أولا ، ثم أجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء ، فلما قيل له : إن هذه إجارة ، قال : هذه التسمية حيلة ، وهي تحسين اللفظ ، وحقيقة العقد البيع ، وقواعد الشريعة تقتضي المنع من بيع هذا الماء ، فإنه إنما كان له حق التقديم في سقي أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره ، فإذا استغنى عنه لم يجز له المعاوضة عنه ، وكان المحتاج إليه أولى به بعده ، وهذا كمن أقام على معدن ، فأخذ منه حاجته لم يجز له أن يبيع باقيه بعد نزعه عنه .

[ ص: 712 ] وكذلك من سبق إلى الجلوس في رحبة أو طريق واسعة ، فهو أحق بها ما دام جالسا ، فإذا استغنى عنها ، وأجر مقعده لم يجز ، وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها كلأ أو عشب ، فسبق بدوابه إليه ، فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيه ، فإذا طلب الخروج منها ، وبيع ما فضل عنه لم يكن له ذلك وهكذا هذا الماء سواء ، فإنه إذا فارق أرضه لم يبق له فيه حق ، وصار بمنزلة الكلأ الذي لا اختصاص له به ، ولا هو في أرضه .

فإن قيل : الفرق بينهما أن هذا الماء في نفس أرضه ، فهو منفعة من منافعها ، فملكه بملكها كسائر منافعها بخلاف ما ذكرتم من الصور ، فإن تلك الأعيان ليست من ملكه ، وإنما له حق الانتفاع والتقديم إذا سبق خاصة .

قيل : هذه النكتة التي لأجلها جوز من جوز بيعه ، وجعل ذلك حقا من حقوق أرضه ، فملك المعاوضة عليه وحده كما يملك المعاوضة عليه مع الأرض ، فيقال : حق أرضه في الانتفاع لا في ملك العين التي أودعها الله فيها بوصف الاشتراك ، وجعل حقه في تقديم الانتفاع على غيره في التحجر والمعاوضة ، فهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشرع وحكمته واشتماله على مصالح العالم ، وعلى هذا فإذا دخل غيره بغير إذنه ، فأخذ منه شيئا ، ملكه ، لأنه مباح في الأصل ، فأشبه ما لو عشش في أرضه طائر ، أو حصل فيها ظبي ، أو نضب ماؤها عن سمك ، فدخل إليه فأخذه .

التالي السابق


الخدمات العلمية