الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثامنة : قوله تعالى : { من فتياتكم المؤمنات } . بهذا استدل مالك على أن نكاح الأمة الكافرة لا يحل ; لأن الله تعالى أباح نكاح المؤمنة ، فكان شرطا في نكاح الإماء الإيمان . فإن قيل : هذا استدلال بدليل الخطاب ونحن لا نقول به . قلنا : ليس هذا استدلالا بدليل الخطاب من أربعة أوجه :

                                                                                                                                                                                                              الأول : أن هذا استدلال بالتعليل ; فإن الله تعالى ذكر الإيمان في نكاحهن ، وذكر الصفة في الحكم تعليل ، كما لو قال : أكرموا العالم واحفظوا الغريب لكان تنصيصا على [ ص: 506 ] الحكم وعلى علته ، وهي العلم والغربة فيتعدى الإكرام [ والحفظ ] لكل عالم وغريب ، ولا يتعدى إلى سواهما .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : أن الله تعالى قال : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ; فكان هذا تعليلا يمنع من النكاح في المشركات .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : أن الله تعالى قال : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ، فإذا لم يكن الإيمان شرطا في الإحلال ولا العفة تبين أن المراد بالإحصان هاهنا الحرية .

                                                                                                                                                                                                              الرابع : أن الله تعالى قال في هذه الآية : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات } فلينكح الفتيات المؤمنات ، فالإحصان هاهنا في الحرية قطعا ، فنقلناه من حرة مؤمنة إلى أمة مؤمنة ، وقال في آية أخرى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } . ثم قال : { والمحصنات من المؤمنات } يعني حل لكم ، { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } حل لكم أيضا ، يريد بذلك الحرائر لا معنى له سواه ، فأفادت الآية حل الكتابية ، وبقيت الأمة الكافرة تحت التحريم . فإن قيل : فقد قال : { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } ، فخاير بينهما ، والمخايرة لا تكون بين ضدين ، وقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة .

                                                                                                                                                                                                              المسألة التاسعة : لما أكمل الله تعالى بيان المحرمات الحاضرات في ذلك الوقت للتكليف ، وقال بعده : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ، فلو وقع هذا الإحلال بنص لكان ما يأتي بعده من المحرمات التي عددناها نسخا ، ولكنه كان عموما ، فجرى على عمومه إلا ما خصه الدليل في ست عشرة مسألة ، ولو كانت ألفا ما أثر في العموم ، فكيف وهي على هذا المقدار ؟ ألا ترى إلى قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين } [ ص: 507 ] وهو عموم خرج منه عشرة أصناف وبقي تحته صنف واحد ، وهم المحاربون ، ولم يؤثر ذلك فيه لا فصاحة ولا حكمة ولا دينا ولا شريعة .

                                                                                                                                                                                                              المسألة العاشرة : قوله تعالى : { والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض } : المعنى أن الله لما شرط الإيمان ، وعلم أنه مخفي لا يطلع عليه سواه أحال على الظاهر فيه ، وقال : { والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض } فيما أضمرتم من الإيمان ، كلكم فيه مقبول ، وبظاهره معصوم ، حتى يحكم فيه الحكيم ; ولذلك لما { جاء الأنصاري فقال له : علي رقبة وأريد أن أعتق هذه الجارية . قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : رسول الله . قال : أعتقها فإنها مؤمنة } حملا على الظاهر من الإيمان ، نعم وعلى الظاهر من الألفاظ ، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية