ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن
يقظة ،
الإمام العَلَم،
أبو محمد القرشي المخزومي ، عالم أهل المدينة ،
وسيد التابعين في زمانه . وُلِدَ
لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه
وقيل :
لأربع مضين منها
بالمدينة .
رأى عمر ، وسمع عثمان ، وعليا ، وزيد بن ثابت ، وأبا موسى ، وسعدا ،
وعائشة وأبا هريرة ، وابن عباس ، ومحمد بن مسلمة ، وأم سلمة ، وخلقا
سواهم. وقيل : إنه سمع من عمر .
وروى عن أُبي بن كعب مرسلا ، وبلال كذلك ، وسعد بن عبادة
كذلك ، وأبي ذر وأبي الدرداء كذلك ، وروايته عن علي ، وسعد ، وعثمان ،
وأبي موسى ، وعائشة ، وأم شريك ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وابن عباس ،
وحكيم بن حزام ، وعبد الله بن عمرو ، وأبيه المسيب ، وأبي سعيد في
"الصحيحين" وعن حسان بن ثابت ، وصفوان بن أمية ، ومعمر بن عبد الله ،
ومعاوية ، وأم سلمة ، في صحيح مسلم . وروايته عن جبير بن مطعم وجابر ،
وغيرهما في البخاري . وروايته عن عمر في السنن الأربعة.
وروى -أيضا- عن
زيد بن ثابت ، وسراقة بن مالك ، وصهيب ، والضحاك بن سفيان ، وعبد
الرحمن بن عثمان التيمي ، وروايته عن عتاب بن أسيد في السنن الأربعة ،
وهو مرسل . وأرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أبي بكر الصديق وكان زوجَ بنت أبي
هريرة ، وأعلمَ الناس بحديثه .
روي عنه خلق : منهم إدريس بن صبيح ، وأسامة بن زيد الليثي ،
وإسماعيل بن أمة ، وبشير
وعبد الرحمن بن حرملة، وعبد الرحمن بن
حميد بن عبد الرحمن ، وعبد الكريم الجزري ، وعبد المجيد بن سهيل ،
وعبيد الله بن سليمان العبدي ، وعثمان بن حكيم ، وعطاء الخراساني ، وعقبة بن حريث،
وعلي بن جدعان ، وعلي بن نفيل الحراني ، وعمارة بن عبد الله
بن طعمة ، وعمرو بن شعيب ، وعمرو بن دينار ، وعمرو بن مرة ، وعمرو بن
مسلم الليثي ، وغيلان بن جرير ، والقاسم بن عاصم ، وابنه محمد بن سعيد ،
وقتادة ، ومحمد بن صفوان ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة ، وأبو جعفر
محمد بن علي ، ومحمد بن عمرو بن عطاء ، والزهري ، وابن المنكدر ، ومعبد
بن هرمز ، ومعمر بن أبي حبيبة ، وموسى بن وردان ، وميسرة الأشجعي ،
وميمون بن مهران ، وأبو سهيل نافع بن مالك ، وأبو معشر نجيح السندي ، وهو
عند الترمذي ، وهاشم بن هاشم الوقَّاصي ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ،
ويزيد بن قسيط ، ويزيد بن نعيم بن هزال ، ويعقوب بن عبد الله بن الأشج ،
ويونس بن سيف ، وأبو جعفر الخَطْمي
وأبو قرة الأسدي ، من
"التهذيب".
وعنه : الزهري ، وقتادة ، وعمرو بن دينار ، ويحيى بن سعيد الأنصاري
، وبكير بن الأشج ، وداود بن أبي هند ، وسعد بن إبراهيم ، وعلي بن زيد بن
جدعان ، وشريك بن أبي نمر ، وعبد الرحمن بن حرملة
وبشَرٌ كثير .
وكان ممن برز في العلم والعمل ، وقع لنا جملة من عالي حديثه .
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق القرافي ، أنبأنا الفتح بن عبد الله
الكاتب ، أنبأنا محمد بن عمر الشافعي ، ومحمد بن أحمد الطرائفي ، ومحمد
بن علي بن الداية ، قالوا : أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة ، أنبأنا
عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري سنة ثمانين وثلاث مائة ، أنبأنا جعفر بن
محمد الفريابي ، حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي ، حدثنا حماد بن سلمة ،
عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-،
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :
ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى ، وزعم
أنه مسلم : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان
.
هذا صحيح ، عالٍ ، فيه دليل على أن هذه الخصال من كبار الذنوب .
أخرجه مسلم
عن أبي نصر التمار ، عن حماد بن سلمة ، فوقع لنا بدلا عاليا
مع عُلُوِّه في نفسه لمسلم ولنا ؛ فإن أعلى أنواع الإبدال أن يكون الحديث من
أعلى حديث صاحب ذلك الكتاب ، ويقع لك بإسناد آخر أعلى بدرجة أو
أكثر . والله أعلم .
أخبرنا إسحاق الأسدي ، أنبأنا يوسف الآدمي (ح) وأنبأنا أحمد بن
سلامة قالا : أنبأنا أبو المكارم الأصبهاني ، قال يوسف سماعا ، وقال الآخر
إجازة : أنبأنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو نعيم ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا
أحمد بن داود المكي ، حدثنا حبيب كاتب مالك ، حدثنا ابن أخي الزهري ،
عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- :
قال لي جبريل : ليَبْكِ الإسلامُ على موت عُمَر
.
هذا حديث منكر ، وحبيب ليس بثقة ، مع أن سعيدا عن أُبيّ منقطع .
عبد العزيز بن المختار ، عن علي بن زيد ، حدثني سعيد بن المسيب
بن حزن
أن جده حزنا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : ما اسمك ؟ قال : حَزْن.
قال : بل أنت سهل. قال : يا رسول الله ، اسم سمَّاني به أبواي وعُرفتُ به في
الناس ، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال سعيد : فما زلنا تُعْرَفُ الحُزونةُ فينا أهل البيت
.
هذا حديث مرسل ، ومراسيل سعيد محتجٌّ بها ، لكن علي بن زيد ليس
بالحجة ، وأما الحديث فمروي بإسناد صحيح ، متصل ، ولفظه :
أن النبي
-صلى الله عليه وسلم- قال له : ما اسمك ؟ قال: حزن . قال : أنت سهل. فقال لا أغير اسما
سمانيه أبي قال سعيد : فما زالت تلك الحُزونةُ فينا بعد
.
العطاف بن خالد : عن أبي حرملة ، عن ابن المسيب قال : ما فاتتني
الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة
.
سفيان الثوري : عن عثمان بن حكيم ، سمعت سعيد بن المسيب
يقول : ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد . إسناده ثابت.
حماد بن زيد : حدثنا يزيد بن حازم ، أن سعيد بن المسيِّب كان يسْرُدُ
الصوم
.
مِسْعَر
عن سعيد بن إبراهيم ، سمع ابن المسيب يقول : ما أحد
أعلم بقضاء قضاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أبو بكر ، ولا عمر مني .
أسامة بن زيد : عن نافع ، أن ابن عمر ذكر سعيد بن المسيب فقال : هو
-والله- أحد المفتين .
قال أحمد بن حنبل وغير واحد : مرسلات سعيد بن المسيب صحاح .
وقال قتادة ، ومكحول ، والزهري ، وآخرون ، واللفظ لقتادة : ما رأيت
أعلم من سعيد بن المسيب .
قال علي بن المديني : لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من ابن
المسيب ، هو عندي أجل التابعين .
عبد الرحمن بن حرملة : سمعت ابن المسيب يقول : حججت أربعين
حجة .
قال يحيى بن سعيد الأنصاري : كان سعيد يكثر أن يقول في مجلسه :
اللهم سلم سلم
.
معن : سمعت مالكا يقول: قال ابن المسيب : إن كت لأسير الأيام
والليالي في طلب الحديث الواحد
.
ابن عيينة : عن إبراهيم بن طريف ، عن حميد بن يعقوب ، سمع سعيد
بن المسيب يقول : سمعت من عمر كلمة ما بقي أحد سمعها غيري
.
أبو إسحاق الشيباني : عن بكير بن الأخنس ، عن سعيد بن
المسيب ، قال : سمعت عمر على المنبر وهو يقول : لا أجد أحدا جامع فلم
يغتسل ، أنزَلَ أو لم يُنْزِل ، إلا عاقبته
.
ابن عيينة : عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، قال : ولدت
لسنتين
مضتا من خلافة عمر
وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر
.
الواقدي : حدثني هشام بن سعد ، سمعت الزهري وسئل عمن أخذ
سعيد بن المسيب علمه ؟ فقال : عن زيد بن ثابت . وجالس سعدا ، وابن
عباس ، وابن عمر ، ودخل على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- : عائشة وأم سلمة ، وسمع
من عثمان ، وعلي ، وصهيب ، ومحمد بن مسلمة . وجُلُّ روايته المسندة عن
أبي هريرة ، كان زوج ابنته ، وسمع من أصحاب عمر ، وعثمان ، وكان يقال :
ليس أحد أعلم بكل ما قضى به عمر وعثمان منه
.
وعن قدامة بن موسى ، قال : كان ابن المسيب يفتي والصحابة
أحياء
.
وعن محمد بن يحيى بن حبان ، قال : كان المقدم في الفتوى في دهره
سعيد بن المسيب ، ويقال له : فقيه الفقهاء
.
الواقدي : حدثنا ثور بن يزيد ، عن مكحول ، قال : سعيد بن المسيب
عالم العلماء .
وعن علي بن الحسين ، قال : ابن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من
الآثار ، وأفقههم في رأيه
.
جعفر بن برقان : أخبرني ميمون بن مهران ، قال : أتيت المدينة فسألت
عن أفقه أهلها ، فدُفِعت إلى سعيد بن المسيب
.
قلت : هذا يقوله ميمون مع لُقِيِّه لأبي هريرة وابن عباس .
عمر بن الوليد الشني : عن شهاب بن عباد العَصَري : حججت فأتينا
المدينة ، فسألنا عن أعلم أهلها فقالوا : سعيد
.
قلت : عمر ليس بالقوي . قاله النسائي .
معن بن عيسى ، عن مالك ، قال : كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي
بقضية -يعني وهو أمير المدينة- حتى يسأل سعيد بن المسيب ، فأرسل إليه
إنسانا يسأله ، فدعاه ، فجاء فقال عمر له : أخطأ الرسول ؛ إنما أرسلناه يسألك
في مجلسك. وكان عمر يقول : ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه ، وكنت
أُوتَى بما عند سعيد بن المسيب
.
سلام بن مسكين : حدثني عمران بن عبد الله الخزاعي ، قال : سألني
سعيد بن المسيب فانتسبت له ، فقال : لقد جلس أبوك إليَّ في خلافة معاوية
وسألني . قال سلام : يقول عمران : والله ما أراه مرَّ على أذنه شيء قط إلا وعاه
قلبه -يعني ابن المسيب- وإني أرى أن نفس سعيد كانت أهون عليه في ذات
الله من نفس ذباب
.
جعفر بن برقان : حدثنا ميمون بن مهران ، بلغني أن سعيد بن المسيب
بقي أربعين سنة لم يأتِ المسجد فيجد أهله قد استقبلوه خارجين من
الصلاة .
عفان : حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا علي بن زيد ، قلت لسعيد بن
المسيب : يزعم قومك أن ما منعك من الحج إلا أنك جعلت لله عليك إذا
رأيت الكعبة أن تدعو على ابن مروان . قال : ما فعلت ، وما أصلي صلاة إلا
دعوت الله عليهم ، وإني قد حججت واعتمرت بضعا وعشرين مرة ؛ وإنما
كتبت عليّ حجة واحدة وعمرة ، وإني أرى ناسا من قومك يستدينون ويحجون
ويعتمرون ثم يموتون ، ولا يقضى عنهم ، ولجمعة أحبُّ إلي من حجة أو عمرة
تطوعا . فأخبرت بذلك الحسن ، فقال : ما قال شيئا ، لو كان كما قال ما حج
أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا اعتمروا
.
فصل في عزة نفسه وصدعه بالحق
سلام بن مسكين : حدثنا عمران بن عبد الله ، قال : كان لسعيد بن
المسيب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفا ، عطاؤه ، وكان يُدعى إليها فيأبَى
ويقول : لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان
.
حماد بن سلمة : أنبأنا علي بن زيد أنه قيل لسعيد بن المسيب : ما شأن
الحجاج لا يبعث إليك ، ولا يحرِّكُكَ ، ولا يؤذيك ؟ قال : والله ما أدري ، إلا
أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد ، فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا
سجودها ، فأخذت كفا من حصى فحصبته بها . زعم أن الحجاج قال : ما زلت
بعد أُحسن الصلاة
.
في "الطبقات" لابن سعد
أنبأنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن
برقان ، حدثنا ميمون ، وأنبأنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا أبو المليح ، عن ميمون
بن مهران ، قال : قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة ،
واستيقظ ، فقال لحاجبه : انظر ، هل في المسجد أحد من حُدَّاثنا ؟ فخرج فإذا
سعيد بن المسيب في حلقته ، فقام حث ينظر إليه ، ثم غمزه وأشار بأصبعه ،
ثم ولى ، فلم يتحرك سعيد ، فقال : لا أراه فطن ، فجاء ودنا منه ، ثم غمزه
وقال : ألم ترني أشير إليك ؟ قال : وما حاجتك ؟ قال : أجِبْ أمير المؤمنين .
فقال : إليّ أرسلك ؟ قال : لا ، ولكن قال : انظُرْ بعض حداثنا فلم أرَ أحدا أهيأ
منك . قال : اذهب فأعلمه أني لست من حُدَّاثه . فخرج الحاجب وهو يقول :
ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونا ، وذهب فأخبر عبد الملك ، فقال : ذاك سعيد بن
المسيب فدعْهُ .
سليمان بن حرب : وعمرو بن عاصم ، حدثنا سلام بن مسكين ، عن
عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي ، قال : حج عبد الملك بن مروان ، فلما
قدم المدينة ووقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلا
يدعوه ولا يحركه ، فأتاه الرسول وقال : أجب أمير المؤمنين ، واقف بالباب يريد
أن يكلمك . فقال : ما لأمير المؤمنين إليّ حاجة ، وما لي إليه حاجة ، وإن
حاجته لي لغير مقضية ، فرجع الرسول ، فأخبره فقال : ارجع فقل له : إنما
أريد أن أكلمك ، ولا تحركه . فرجع إليه ، فقال له : أجب أمير المؤمنين. فرد
عليه مثل ما قال أولا . فقال : لولا أنه تقدَّم إليّ فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك ،
يرسل إليك أمين المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا ! فقال : إن كان يريد أن يصنع
بي خيرا ، فهو لك ، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحُلُّ حَبْوتي حتى يقضي ما هو
قاض ، فأتاه فأخبره ، فقال : رحم الله أبا محمد ؛ أبَى إلا صلابة
.
زاد عمرو بن عاصم في حديثه بهذا الإسناد : فلما استخلف الوليد ،
قدم المدينة ، فدخل المسجد ، فرأى شيخا قد اجتمع عليه الناس ، فقال : من
هذا ؟ قالوا : سعيد بن المسيب ، فلما جلس أرسل إليه ، فأتاه الرسول فقال :
أجب أمير المؤمنين ، فقال : لعلك أخطأت باسمي ، أو لعله أرسلك إلى
غيري ، فرد الرسول ، فأخبره ، فغضب وهمَّ به ، قال : وفي الناس يومئذ تَقيَّة ،
فأقبلوا عليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، فقيه المدينة ، وشيخ قريش ، وصديق
أبيك ، لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه . فما زالوا به حتى أضرب عنه
.
عمران بن عبد الله -من أصحاب سعيد بن المسيب- : ما علمت فيه
لينا . قلت : كان عند سعيد بن المسيب أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم ،
وكان لا يقبل عطاءهم .
قال معن بن عيسى : حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، قلت لسعيد بن
المسيب : لو تبديت ، وذكرت له البادية وعيشها والغنم ، فقال : كيف بشهود
العتمة
.
ابن سعد : أنبأنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي ، أنبأنا عبد الحميد بن
سليمان ، عن أبي حازم ، سمعت سعيد بن المسيب ، يقول : لقد رأيتني ليالي
الحرة وما في المسجد أحد غيري ، وإن أهل الشام ليدخلون زُمَرا يقولون :
انظروا إلى هذا المجنون . وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا في القبر ، ثم
تقدمت فأقمت وصليت وما في المسجد أحد غيري
.
عبد الحميد هذا ضعيف .
الواقدي : حدثنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب ، عن أبيه ،
قال : كان سعيد أيام الحرة
في المسجد لم يخرج ، وكان يصلي معهم
الجمعة ويخرج في الليل . قال : فكنت إذا حانت الصلاة ، أسمع أذانا يخرج
من قِبَل القبر حتى أمن الناس
.
ذكر محنته :
الواقدي : حدثنا عبد الله بن جعفر ، وغيره من أصحابنا ، قالوا :
استعمل ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة ، فدعا
الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب : لا، حتى يجتمع
الناس . فضربه ستين سوطا ، فبلغ ذلك ابن الزبير ، فكتب إلى جابر يلومه
ويقول : ما لنا ولسعيد ، دَعْهُ
.
وعن عبد الواحد بن أبي عون ، قال : كان جابر بن الأسود عامل ابن
الزبير على المدينة قد تزوَّج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة ، فلما ضرب
سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه : والله ما ربَّعْتَ على كتاب
الله ، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة ، وما هي إلا ليال فاصنع
ما بدا لك ، فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيرا حتى قُتِل ابن الزبير
.
الواقدي : حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره أن عبد العزيز بن مروان توفي
بمصر سنة أربع وثمانين ، فعقد عبد الملك لابنيه : الوليد وسليمان بالعهد ،
وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان ، وعامله يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل
المخزومي ، فدعا الناس إلى البيعة ، فبايعوا ، وأبَى سعيد بن المسيب أن يبايع
لهما وقال : حتى أنظر ، فضربه هشام ستين سوطا ، وطاف به في تُبَّان من
شعر ، حتى بلغ به رأس الثنية ، فلما كرُّوا به قال : أين تَكُرُّون بي ؟ قالوا : إلى
السجن . فقال : والله لولا أني ظننته الصَّلْب ، ما لبِسْتُ هذا التبان أبدا . فردوه
إلى السجن ، فحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه . فكتب إليه عبد
الملك يلومه فيما صنع به ويقول : سعيد ، كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه
من أن تضربه ، وإنا لنعلم ما عنده خلاف
.
وحدثني أبو بكر بن أبي سبرة ، عن المِسْور بن رفاعة ، قال : دخل
قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك بكتاب هشام بن إسماعيل يذكر أنه ضرب
سعيدا وطاف به . قال قبيصة : يا أمير المؤمنين ، يفتات عليك هشام بمثل
هذا ، والله لا يكون سعيد أبدا أمحل ولا ألج منه حين يضرب ، لو لم يبايع
سعيد ما كان يكون منه ، وما هو ممن يخاف فَتْقُه ، يا أمير المؤمنين اكتب إليه .
فقال عبد الملك : اكتب أنت إليه عني تخبره برأيي فيه ، وما خالفني من ضرب
هشام إياه . فكتب قبيصة بذلك إلى سعيد . فقال سعيد حين قرأ الكتاب : الله
بيني وبين من ظلمني
.
حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي ، قال : دخلتُ على سعيد بن المسيب
السجن فإذا هو قد ذُبحت له شاة ، فجعل الإهاب على ظهره ، ثم جعلوا له بعد
ذلك قَضْبا رطبا ، وكان كلما نظر إلى عضديه قال : اللهم انصرني من
هشام
.
شيبان بن فَرُّوخ : حدثنا سلام بن مسكين ، حدثنا عمران بن عبد الله
الخزاعي قال : دُعِي سعيد بن المسيب للوليد وسليمان بعد أبيهما فقال : لا
أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار . فقيل : ادخل واخرج من الباب الآخر ،
قال : والله لا يقتدي بي أحد من الناس ، قال : فجلده مائة وألبسه المُسوح
.
ضمرة بن ربيعة : حدثنا رجاء بن جميل ، قال : قال عبد الرحمن بن عبد
القاري لسعيد بن المسيب حين قامت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة : إني
مُشير عليك بخصال ، قال : ما هُنَّ ؟ قال : تعتزل مقامك ، فإنك تقوم حيث
يراك هشام بن إسماعيل ، قال : ما كنت لأُغيِّر مقاما قمته منذ أربعين سنة .
قال : تخرج معتمرا . قال : ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس لي
فيه نية ، قال : فما الثالثة ؟ قال : تبايع ، قال : أرأيت إن كان الله أعمى قلبك
كما أعمى بصرك فما عليَّ ؟ قال -وكان أعمى- قال رجاء : فدعاه هشام بن
إسماعيل إلى البيعة ، فأبى ، فكتب فيه إلى عبد الملك . فكتب إليه عبد
الملك : ما لك ولسعيد ، ما كان علينا منه شيء نكرهه ، فأما إذْ فعلت فاضربه
ثلاثين سوطا وألبِسْهُ تُبَّان شعر ، وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس . فدعاه
هشام فأبى وقال : لا أبايع لاثنين . فألبسه تبان شعر ، وضربه ثلاثين سوطا ،
وأوقفه للناس . فحدثني الأَيْليُّون الذين كانوا في الشُّرَط بالمدينة قالوا : علمنا
أنه لا يلبس التُبَّان طائعا ، قلنا له : يا أبا محمد ، إنه القتل ، فاستر عورتك ،
قال : فلبسه ، فلما ضُرِب تبين له أنَّا خدعناه ، قال : يا معجلة أهل أيْلة ؛ لولا
أني ظننت أنه القتل ما لبِسْتُه
.
وقال هشام بن زيد : رأيت ابن المسيب حين ضُرب في تُبَّان شعر .
يحيى بن غيلان : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، قال : أتيت سعيد بن
المسيب وقد أُلْبس تبان شعر وأقيم في الشمس ، فقلت لقائدي : أدْنِني منه
فأدناني ، فجعلت أسأله خوفا من أن يفوتني ، وهو يجيبني حسبة والناس
يتعجبون
.
قال أبو المليح الرقي : حدثني غير واحد أن عبد الملك ضرب سعيد بن
المسيب خمسين سوطا ، وأقامه بالحرة وألبسه تبان شعر ، فقال سعيد : لو
علمت أنهم لا يزيدوني على الضرب ما لبسته ؛ إنما تخوفت من أن يقتلوني ،
فقلت : تبان أستر من غيره
.
قبيصة : حدثنا سفيان عن رجل من آل عمر ، قال : قلت لسعيد بن
المسيب : ادْعُ على بني أمية ، قال : اللهم أعِزَّ دينك ، وأظهرْ أولياءك ، واخْزِ
أعداءك في عافية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
.
أبو عاصم النبيل : عن أبي يونس القوي
قال : دخلت مسجد
المدينة ، فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده ، فقلت : ما شأنه ؟ قيل : نُهِيَ أن
يجالسه أحد
.
همام : عن قتادة ، أن ابن المسيب كان إذا أراد أحد أن يجالسه قال :
إنهم قد جلدوني ، ومنعوا الناس أن يجالسوني
.
عن أبي عيسى الخراساني ، عن ابن المسيب ، قال : لا تملئوا أعينكم
من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم ، لكيلا تحبط أعمالكم .
تزويجه ابنته :
أُنبئتُ عن أبي المكارم الشروطي ، أنبأنا أبو علي ، أنبأنا أبو نعيم ،
حدثنا القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا الحسن بن عبد العزيز ،
قال : كتب إلى ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن
المسيب زوَّج ابنته بدرهمين
.
سعيد بن منصور : حدثنا مسلم الزنجي ، عن يسار بن عبد الرحمن ،
عن سعيد بن المسيب أنه زوج ابنة له على درهمين من ابن أخيه
.
وقال أبو بكر بن أبي داود : كانت بنت سعيد قد خطبها عبد الملك لابنه
الوليد ، فأبى عليه ، فلم يزلْ يحتال عبد الملك عليه حتى ضربه مائة سوط في
يوم بارد ، وصب عليه جرة ماء ، وألبسه جبة صوف .
ثم قال : حدثني أحمد
ابن أخي عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا عمر بن وهب ، عن عطاف بن خالد ،
عن ابن حرملة ، عن ابن أبي وداعة -يعني كثيرا- قال : كنت أجالس سعيد بن
المسيب ، ففقدني أياما ، فلما جئته قال : أين كنت ؟ قلت : توفيت أهلي
فاشتغلت بها . فقال : ألا أخبرتنا فشهدناها . ثم قال : هل استحدثت امرأة ؟
فقلت : يرحمك الله ، ومن يزوِّجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ قال : أنا .
فقلت : وتفعل ؟ قال : نعم ، ثم تحمد ، وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجني على
درهمين -أو قال: ثلاثة- فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح .
فصرت إلى
منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين ، فصليت المغرب ، ورجعت إلى منزلي ،
وكنت وحدي صائما ، فقدمت عشائي أفطر ، وكان خبزا وزيتا ، فإذا بابي
يُقْرع ، فقلت : من هذا ؟ فقال : سعيد . فأفكرت في كل من
اسمه سعيد إلا ابن المسيب ، فإنه لم يُرَ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ،
فخرجت ، فإذا سعيد ، فظننت أنه قد بدا له ، فقلت : يا أبا محمد
ألا أرسلت إلي فآتيك ؟ قال : لا ، أنت أحق أن تؤتى ، إنك كنت رجلا عَزَبا
فتزوجت ، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك ، وهذه امرأتك .
فإذا هي قائمة من
خلفه في طوله ، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ، وردَّ الباب ، فسقطت المرأة
من الحياء ، فاستوثقت من الباب ، ثم وضعتُ القصعة في ظل السراج لكي لا
تراه ، ثم صعدت إلى السطح فرميتُ الجيران ، فجاءوني فقالوا : ما شأنك ؟
فأخبرتهم . ونزلوا إليها ، وبلغ أمي ، فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام
إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام ، فأقمت ثلاثا ، ثم دخلت بها ،
فإذا هي من أجمل الناس ، وأحفظ الناس لكتاب الله ، وأعلمهم بسنة
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعرفهم بحق زوج .
فمكثت شهرا لا آتي سعيد بن
المسيب . ثم أتيته وهو في حلقته ، فسلمت ، فردَّ عليّ السلام ولم يكلمني حتى
تقوَّض المجلس ، فلما لم يبقَ غيري قال : ما حال ذلك الإنسان ؟ قلت : خير
يا أبا محمد ، على ما يحب الصديق ، ويكره العدو. قال : إن رابَكَ شيء ،
فالعصا ، فانصرفت إلى منزلي ، فوجَّه إليَّ بعشرين ألف درهم
.
قال أبو بكر بن أبي داود : ابن أبي وداعة هو كثير بن المطلب بن أبي
وداعة .
قلت : هو سهمي مكي ، روي عن أبيه المطلب أحد مسلمة الفتح .
وعنه : ولده جعفر بن كثير ، وابن حرملة .
تفرد بالحكاية أحمد بن عبد الرحمن بن وهب . وعلى ضعفه قد احتج
به مسلم
.
قال عمرو بن عاصم ، حدثنا سلام بن مسكين ، حدثنا عمران بن عبد
الله قال : زوج سعيد بن المسيب بنتا له من شاب من قريش . فلما أمست ، قال
لها: شُدِّي عليك ثيابك واتبعيني ، ففعلت ، ثم قال : صلي ركعتين ، فصلت ،
ثم أرسل إلى زوجها فوضع يدها في يده وقال : انطلق بها . فذهب بها ، فلما
رأتها أمه ، قالت : من هذه ؟ قال : امرأتي . قالت : وجهي من وجهك حرام إن
أفضيت إليها حتى أصنع بها صالح ما يُصْنع بنساء قريش . فأصلحَتْها ثم بنَى
بها
.
ومن معرفته بالتعبير :
قال الواقدي : كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا ، أخذ ذلك
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وأخذته أسماء عن أبيها ، ثم ساق الواقدي
عدة منامات ، منها
حدثنا موسى بن يعقوب ، عن الوليد بن عمرو بن مسافع ، عن عمر بن
حبيب بن قليع قال : كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما ، وقد ضاقت بي
الأشياء ، ورَهِقَني دين ، فجاءه رجل ، فقال : رأيت كأني أخذت عبد الملك
بن مروان ، فأضجعته إلى الأرض ، وبطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد .
قال : ما أنت رأيْتَها . قال : بلى . قال : لا أُخِبُرك أو تُخْبِرَني قال : ابن الزبير
رآها ، وهو بعثني إليك . قال : لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك ، وخرج من
صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة . قال : فرحلت إلى عبد الملك
بالشام فأخبرته ، فسُرَّ ، وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته ، وأمر بقضاء ديني
وأصبت منه خيرا
.
قال : وحدثني الحكم بن القاسم ، عن إسماعيل بن أبي حكيم ، قال :
قال رجل : رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول في قبلة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- أربع
مِرار . فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب ، فقال : إن صدقت رؤياك ، قام فيه من
صلبه أربعة خلفاء
.
وأخبرنا عبد السلام بن حفص ، عن شريك بن أبي نمر ، قلت لسعيد
بن المسيب : رأيت كأن أسناني سقطت في يدي ، ثم دفنتها . فقال : إن
صدقت رؤياك ، دفنْتَ أسنانك من أهل بيتك
.
وحدثنا ابن أبي ذئب ، عن مسلم الحنَّاط
قال رجل لابن المسيب :
رأيت أني أبول في يدي . فقال : اتق الله ؛ فإن تحتك ذات محرم ، فنظر فإذا
امرأة بينهما رضاع
.
وبه ، وجاءه آخر فقال : أراني كأني أبول في أصل زيتونة . فقال : إن تحتك
ذات رحم . فنظر فوجد كذلك
.
وقال له رجل : إني رأيت كأن حمامة وقعت على المنارة ، فقال : يتزوج
الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر
.
وبه ، عن ابن المسيب قال : الكَبْل في النوم ثبات في الدين . وقيل له :
يا أبا محمد ، رأيت كأني في الظل ، فقمت إلى الشمس . فقال : إن صدقت
رؤياك ، لتخرجن من الإسلام . قال : يا أبا محمد ، إني أراني
أُخْرِجتُ حتى أُدخِلْتُ في الشمس ، فجلست . قال : تُكْرَه على الكفر . قال :
فأُسِر وأكره على الكفر ، ثم رجع ، فكان يخبر بهذا بالمدينة
.
وحدثنا عبد الله بن جعفر ، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب ،
قال رجل لابن المسيب : إنه رأى كأنه يخوض النار . قال : لا تموت حتى
تركب البحر ، وتموت قتيلا . فركب البحر ، وأشفى على الهلكة ، وقُتِل يوم
قُدَيد
.
وحدثنا صالح بن خوَّات ، عن ابن المسيب ، قال : آخر الرؤيا أربعون
سنة -يعني تأويلها
.
روى هذا الفصل ابن سعد في "الطبقات"
عن الواقدي .
سلام بن مسكين : عن عمران بن عبد الله ، قال : رأى الحسن بن علي
كأن بين عينيه مكتوب :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فاستبشر به ، وأهل بيته ، فقصُّوها
على سعيد بن المسيب ، فقال : إن صدقت رؤياه فقلما بقي من أجله ، فمات
بعد أيام .
ومن كلامه :
سفيان بن عيينة : عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : ما
أيِسَ الشيطان من شيء إلا أتاه من قِبَل النساء
. ثم قال لنا سعيد وهو ابن
أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى : ما شيء أخوف
عندي من النساء
.
وقال : ما أصلِّي صلاة إلا دعوت الله على بني مروان
.
قتيبة : حدثنا عطاف بن خالد ، عن ابن حرملة قال : ما سمعت سعيد
بن المسيب سبَّ أحدا من الأئمة ، إلا أني سمعته يقول : قاتل الله فلانا
كان أول من غير قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه قال :
الولد للفراش
.
سلام بن مسكين : عن عمران بن عبد الله ، قال : كان ابن المسيب لا
يقبل من أحد شيئا .
العطاف : عن ابن حرملة ، قال : قال سعيد : لا تقولوا مُصَيْحف ، ولا
مُسَيْجد ؛ ما كان لله فهو عظيم حسن جميل
.
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم : حدثني يحيى بن سعيد ، سمع ابن
المسيب يقول : لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حِلِّه ، يُعطي منه حقَّه ،
ويكُفُّ به وجهه عن الناس
.
الثوري : عن يحيى بن سعيد ، أن ابن المسيب خلَّف مائة دينار. وعن
عباد بن يحيى بن سعيد ، أن ابن المسيب خلف ألفين أو ثلاثة آلاف . وعن ابن
المسيب ، قال : ما تركتها إلا لأصون بها ديني . وعنه ، قال : من استغنى بالله ،
افتقر الناس إليه
.
داود بن عبد الرحمن العطار : عن بشر بن عاصم ، قال : قلت لسعيد
بن المسيب : يا عم ألا تخرج فتأكل اليوم مع قومك ؟ قال : معاذ الله يا ابن
أخي ، أدَعُ خمسا وعشرين صلاة خمس صلوات وقد سمعت كعبا
يقول :
وددتُ أن هذا اللبن عاد قطرانا ، تتبع قريش أذناب الإبل في هذه الشعاب ، إن
الشيطان مع الشاذ، وهو من الاثنين أبعد
.
العطاف بن خالد : عن ابن حرملة ، عن سعيد بن المسيب أنه اشتكى
عينه ، فقالوا : لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة ، لوجدت لذلك
خفة ، قال : فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح
.
العطَّاف : عن ابن حرملة ، قلت لبرد مولى ابن المسيب : ما صلاة
ابن المسيب في بيته ؟ قال : ما أدري ، إنه ليصلي صلاة كثيرة ، إلا أنه يقرأ بـ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
.
وقال عمرو بن عاصم : حدثنا عاصم بن العباس الأسدي ، قال : كان
سعيد بن المسيب يُذَكِّر ويُخَوِّف ، وسمعته يقرأ في الليل على راحلته فيكثر ،
وسمعته يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان يحب أن يسمع الشعر ، وكان
لا ينشده ، ورأيته يمشي حافيا وعليه بتّ
ورأيته يُحفي شاربه شبيها
بالحلق ، ورأيته يصافح كل من لقيه ، وكان يكره كثرة الضحك
.
سفيان الثوري : عن داود بن أبي هند ، عن سعيد ، أنه كان يستحب أن
يسمي ولده بأسماء الأنبياء .
حماد بن سلمة : عن علي بن زيد ، أنه كان يصلي التطوع في رحله ،
وكان يلبس مُلاءً شرقية .
سلام بن مسكين : حدثني عمران بن عبد الله قال : ما أُحصي ما رأيتُ
على سعيد بن المسيب من عدة قُمُص الهروي
وكان يلبس هذه البرود
الغالية البيض .
أبان بن يزيد : حدثنا قتادة ، سألت سعيدا عن الصلاة على الطنفسة ،
فقال : محدث
.
موسى بن إسماعيل : حدثنا عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب ،
حدثتني غنيمة جارية سعيد ، أنه كان لا يأذن لبنته في لُعَب العاج ، ويرخِّص لها
في الكَبَر -تعني الطبل
.
إسماعيل بن أبي أويس : حدثنا محمد بن هلال ، عن سعيد بن
المسيب أنه قال : ما تجارة أعجب إلي من البَزِّ ، ما لم يقع فيه أيمان
.
مطرف بن عبد الله : حدثنا مالك ، قال : قال برد مولى ابن المسيب
لسعيد بن المسيب ، ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء ! قال سعيد : وما
يصنعون ؟ قال : يصلي أحدهم الظهر ، ثم لا يزال صافا رجليه حتى يصلي
العصر . فقال : ويحك يا بُرد، أما والله ما هي بالعبادة ؛ إنما العبادة التفكُّر في
أمر الله ، والكف عن محارم الله .
سلام بن مسكين : حدثنا عمران بن عبد الله الخزاعي ، قال : قال سعيد
بن المسيب : ما خِفْتُ على نفسي شيئا مخافة النساء ، قالوا : يا أبا محمد ، إن
مثلك لا يريد النساء ، ولا تريده النساء . فقال : هو ما أقول لكم . وكان شيخا
كبيرا أعمش
.
الواقدى : أنبأنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب ، عن أبيه ، قال
سعيد بن المسيب : قلة العيال أحد اليُسْرين
.
حماد بن زيد : حدثنا علي بن زيد ، قال : قال لي سعيد بن المسيب :
قل لقائدك يقوم ، فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده فقام وجاء، فقال :
رأيت وجه زنجي وجسده أبيض . فقال سعيد : إن هذا سب هؤلاء : طلحة
والزبير وعليا -رضي الله عنهم- فنهيته فأبى ، فدعوت الله عليه ، قلت : إن
كنت كاذبا فسوَّد الله وجهك ، فخرجتْ بوجهه قرحة ، فاسودَّ وجهه
.
مالك : عن يحيى بن سعيد ، قال : سئل سعيد بن المسيب عن آية ،
فقال سعيد : لا أقول في القرآن شيئا
.
قلت : ولهذا قلَّ ما نقل عنه في التفسير .
ذكر لباسه :
قال ابن سعد في الطبقات
أخبرنا قبيصة ، عن عبيد بن نسطاس ،
قال : رأيت سعيد بن المسيب يعتم بعمامة سوداء ، ثم يرسلها خلفه ، ورأيت
عليه إزارا وطيلسانا وخفين .
أخبرنا معن ، حدثنا محمد بن هلال ، أنه رأى سعيد بن المسيب يعتم
وعليه قلنسوة لطيفة بعمامة بيضاء ، لها علم أحمر يرخيها وراءه شبرا
.
أخبرنا القعنبي ، حدثنا عثيم : رأيت ابن المسيب يلبس في الفطر
والأضحى عمامة سوداء ، ويلبس عليها بُرْنُسا أحمر أُرْجُوانا
.
أخبرنا عارم ، حدثنا حماد ، عن شعيب بن الحبحاب : رأيت على سعيد
بن المسيب برنس أُرْجُوان
.
أخبرنا أبو نعيم ، حدثنا خالد بن إلياس : رأيت على سعيد قميصا إلى
نصف ساقه ، وكماه إلى أطراف أصابعه ، ورداء فوق القميص ، خمسة أذرع
وشبر .
أخبرنا روح ، أخبرنا سعيد ، عن قتادة ، عن إسماعيل بن عمران ،
قال : كان سعيد بن المسيب يلبس طيلسانا أزراره ديباج
.
أخبرنا معن ، حدثنا محسد بن هلال ، قال : لم أرَ سعيدا لبس غير
البياض
.
وعن ابن المسيب أنه كان يلبس سراويل
.
أخبرنا مححد بن عمر ، حدثنا أبو معشر ، قال : رأيت على سعيد بن
المسيب الخزّ
.
أخبرنا يزيد بن هارون ، أنبأنا محمد بن عمرو
قال : كان ابن
المسيب لا يخضب .
أخبرنا خالد بن مخلد ، حدثنا محمد بن هلال : رأيت سعيد بن
المسيب يصفِّر لحيته
.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس ، حدثنا أبو الغصن أنه
رأى سعيد بن المسيب أبيض الرأس اللحية
.
وعن يحيى بن سعيد ، أن ابن المسيب كان إذا مر بالمكتب ، قال
للصبيان : هؤلاء الناس بعدنا
.
ذكر مرضه ووفاته :
قال ابن سعد
حدثنا خالد بن مخلد ، حدثني سليمان بن بلال ،
حدثني عبد الرحمن بن حرملة ، قال : دخلت على سعيد بن المسيب وهو
شديد المرض ، وهو يصلي الظهر ، وهو مستلقٍ يومئ إيماءً ، فسمعته يقرأ
بالشمس وضحاها .
الثوري : عن ابن حرملة ، قال : كنت مع ابن المسيب في جنازة ، فقال
رجل : استغفروا لها . فقال : ما يقول راجزهم ! قد حرجت على أهلي أن يرجز
معي راجز ، وأن يقولوا : مات سعيد بن المسيب ، حسبي من يقلبني
إلى
ربي ، وأن يمشوا معي بمجمر ، فإن أكن طيبا ، فما عند الله أطيب من طيبهم .
معاوية بن صالح : عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال :
أوصيت أهلي بثلاث : أن لا يتبعني راجز ولا نار ، وأن يعجلوا بي ، فإن يكن
لي عند الله خير ، فهو خير مما عندكم
.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس ، حدثني أبي ، عن عبد
الرحمن بن الحارث المخزومي ، قال : اشتد وجع سعيد بن المسيب ، فدخل
عليه نافع بن جبير يعوده ، فأُغمي عليه فقال نافع : وجِّهوه . ففعلوا ، فأفاق
فقال : من أمركم أن تحوِّلوا فراشي إلى القبلة ، أنافع ؟ قال : نعم . قال له
سعيد : لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهكم فراشي
.
ابن أبي ذئب : عن أخيه المغيرة ، أنه دخل مع أبيه على سعيد وقد
أُغمي عليه ، فوُجِّه إلى القبلة ، فلما أفاق ، قال : من صنع بي هذا ، ألست امرءا
مسلما ؟ وجهي إلى الله حيث ما كنت
.
أخبرنا محمد بن عمر ، حدثني محمد بن قيس الزيات ، عن زرعة بن
عبد الرحمن ، قال سعيد بن المسيب : يا زرعة ، إني أشهدك على ابني محمد
لا يُؤذِنَنَّ بي أحدا ، حسبي أربعة يحملوني إلى ربي
.
وعن يحيى بن سعيد ، قال : لما احتضر سعيد بن المسيب ، ترك
دنانير ، فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني
.
أخبرنا محمد بن عمر ، حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة ،
شهدت سعيد بن المسيب يوم مات سنة
أربع وتسعين
.
فرأيت قبره قد رُشَّ
عليه الماء ، وكان يُقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها
.
وقال الهيثم بن عدي : مات في سنة
أربع وتسعين
.
عدة فقهاء ، منهم
سعيد بن المسيب ، وفيها أرَّخ وفاة ابن المسيب سعيد بن عفير ، وابن نمير ،
والواقدي . وما ذكر ابن سعد سواه .
وقال أبو نعيم ، وعلي بن المديني : توفي سنة
ثلاث وتسعين
.
وقال أحمد بن حنبل : حدثنا حماد بن خالد الخياط أن سعيد بن
المسيب توفي سنة
خمس وتسعين
.
والأول أصح .
وأما ما قال المدائني وغيره من أنه توفي سنة خمس ومائة فغلط . وتبعه
عليه بعضهم ، وهي رواية عن ابن معين . ومال إليه أبو عبد الله الحاكم ، والله
أعلم .